أعتقد بأنك قد سمعت كثيراً عبارة “لو كان عندنا سيستم كان انحلت المشكلة”، ولو قدّر لك أن تعمل في محاولة رصد التحديات التشغيلية وحلولها في أي جهة سواءًا على مستوى المنظمة أو على مستوى إدارة محددة، ستجد على الأرجح وجود اتفاق على أن التحدي الأكبر هو عدم وجود نظام تقني مناسب، وأن الحل قطعاً يكمن في وجود نظام تقني يعالج هذه التحديات التشغيلية.
ويعوّل الكثير من الموظفين والقادة كذلك على سحر التقنية لعلاج مشاكلهم التشغيلية ورفع كفاءة الأعمال، وهذا طبيعي في ظل التقدم التقني الحاصل من حولنا في كل شيء، والنماذج المُبهرة حولنا التي طوّعت التقنية في أتمتة العمليات ورفع كفاءتها بشكل مبهر. حسناً.. إذا كان الأمر كذلك، فلما تبذل المنظمات الغالي والنفيس في سبيل تبنّي تقنيات مختلفة لخدمة تحسين أدائها التشغيلي رغم إداركها بأن احتماليات فشل المشاريع التقنية المؤسسية الضخمة أعلى من احتمالات النجاح، ورغم وجود احتمالية عاليةٍ -بحسب دراسات متعددة- بأن النتيجة التي سيخرجون بها ستختلف تماماً عمّا كان مخططاً له. بمعنى آخر: على الأرجح فلن تضيف التقنية أي شيء بعد استكمال تطبيقها.
ولن أتطرق لتفاصيل هذه الدراسات المتفاوتة، ولكن دعني أعكس السؤال وأطرح عليك تساؤلاً بريئاً: إن كنّا نرى أن التقنية هي سبيلنا لرفع الكفاءة الإنتاجية والتشغيلية، فكيف نجحت مجموعة هندية بسيطة في تحقيق أقصى درجات الكفاءة التشغيلية لمدة تزيد عن ١٢٠ سنة دون استخدام أي تقنية! وبنسبة خطأ تقدّر بحالة واحدة فقط لكل ستة ملايين عملية، هذه المجموعة تعمل بنفس الآلية منذ ذلك الوقت وحققت شهادة آيزو ٩٠٠٠:٢٠٠٠ المتخصصة في أنظمة الجودة، وجوائز وشهادات متنوعة تشير إلى الكفاءة التشغيلية العالية لهذه المجموعة.
سآخذك قليلاً إلى هذا النظام السحري الذي ابتكره بسطاء في مومباي الهندية، أو ما يعرف بـ”دَبّاوالا – Dabbawalla”، هذه الحالة الفريدة تمثّل براعة تنظيم الإجراءات بكفاءة عالية دون أدنى حاجة إلى أبسط قدرٍ من التقنية، حيث تدير “دبّاوالا” شبكة متكاملة لتوصيل طلبات الطعام من منازل العملاء إلى مقار عملهم التي يعملون فيها لساعات طويلة، ويعمل فيها اليوم آلاف الموظفين يخدمون عشرات الآلاف من الموظفين في مواقع عملهم يومياً بكفاءة منقطعة النظير منذ عام ١٨٩٠م حتى اليوم.

باختصار شديد، تقوم فكرة هذه المجموعة على جمع الوجبات الغذائية الخاصة بعملائهم من منازلهم -من منازل العملاء- في الصباح الباكر، ثم نقلها لمراكز تجميع مركزية، ثم فرزها وتوزيعها لمواقع عمل العملاء المتناثرة في مدينة مومباي الهندية، ثم تجمع هذه الصناديق الفارغة وتعيدها للمنازل مجددا.
هي عملية أكثر تعقيداً في العمليات التشغيلية من مجرد توصيل طلبات الطعام الدراجة حالياً، حيث تعتمد على توصيل الطعام من بيت العميل إلى مقر عمله وإعادة الأواني مجدداً للبيت، في سلاسة عالية وكفاءة تشغيلية فائقة عبر استخدام العربات اليدوية والدراجات الهوائية والقطارات.
ولتوضيح أكثر للهيكلة والمنهجية المتبعة في هذا النظام، فهناك ما يقارب ٥ إلى ٦ آلاف عامل (أو دَبّا) يتم تنظيمهم في مجموعات صغيرة ولكل مجموعة قائد يسمى مقدّم، يقوم بتوزيع المهام والتحقق من التزام الجميع بالجدول الزمني، ويعتمدون على نظام ترميز يدوي بسيط يستخدم الألوان والأحرف والرموز للفرز، بما يسرّع عملية التوزيع والتوصيل بالاعتماد عليها وبدقة عالية.
وبعيداً عن الاستطراد؛ سألخص أبرز مزايا هذا النظام المبهر بنتائجه بشكل مبسّط:
أولاً: البساطة: النظام بسيط جداً، يمكن لأي عامل ضمن الفريق أن يستوعبه بشكل سريع ولا يتطلب منه جهداً لاستيعابه، الأهم هو أن يكون من أهل المدينة وعلى معرفة بالطرقات والمعالم والعناوين، وليس بتركيبة النظام وآلية استخدامه.
ويمكنك أن تتخيل النقيض في المشهد الذي نراه اليوم في كثير من المنظمات، حيث تتطلب بعض الأنظمة (أوراكل أو ساب مثلاً) قدرة عالية على فهم النظام وتركيبته، والتي قد تكون أهم في بعض المرات من قدراته أو معارفه في نطاق اختصاصه (الإدارة المالية أو المشتريات أو الموارد البشرية وغيرها مما تستخدم فيه هذه الأنظمة).
ثانياً: بساطة الهيكل التنظيمي: هيكل هذا النظام يتضمن لجنة تنفيذية يتم ترشيحها من قبل العاملين على رأس هرم المنظمة، تعمل على تمثيل المنظمة أمام السلطات والتعامل مع التحديات القانونية والتخطيط الاستراتيجي، دون أن يكون لها تدخل مباشر في الإشراف على أعمال المدراء المشرفين، أمّا هؤلاء المدراء المشرفين أو القادة، فيكونون عادةً من ذوي الخبرة والتجربة الطويلة، والذين يتولون التنسيق العام بين فرق العمل لضمان سير العمليات، ويتبع لهم قادة من مستوى أقل، كل واحد منهم يشرف على عدد محدود من العاملين.
أربعة مستويات فقط، دون تشعّب أفقي على الإطلاق، بخطوط تقاطع واضحة وبسيطة بين هذه المستويات، مع استقلالية عالية لكل مستوى، ليس في اتخاذ القرار فحسب، بل حتى في الإدارة المالية وتوزيع العوائد المالية، مما يرفع حس الالتزام لدى فرق العمل وينمّي لديها الشعور بالمسؤولية.
وبطبيعة الحال أنا لا أدعو أن تتخلى المنظمات عن التشعّب الأفقي، بقدر ما أن أشير إلى أن هذا النموذج هو نموذج مثالي لهذه الحالة على وجه الخصوص، يقابلها تعقيدات هيكلية كبيرة في كثير من المنظمات التي لا تتطلب مهامها هذا القدر من التعقيد، مما يترك الموظفين أحياناً في قدرٍ من الحيرة في إدارة المهام، وحسن اتخاذ القرار، ويضطرهم إلى بذل جهود كبيرة في سبيل تحقيق أحد لعنات العصر الحديث وهي لعنة “المواءمة”، والتي يمكن ترجمتها في أغلب الأماكن بعبارة “ترانا علّمناك” وفي أماكنٍ أخرى بعبارة “ننتظركم تعلّمونا”، ومن أبسط أعراض هذه الحالة في المنظمات هو فقدان حسّ المسؤولية تجاه المهام، وانعدام القيادة الذاتية بحسب احتياج العمل، والتذرّع بأن هذه الأعمال ليست ضمن الاختصاص.
ثالثاً: استخدام الموارد المتاحة: لا يتطلب الدبّاوالا قائمة من الاحتياجات المخصّصة لضمان سير عمله، يستخدم كل ما يمكن أن يتاح له أياً كان، وسائل النقل العام والقطارات، دراجة هوائية، أقلام بألوان متعددة، هواتف شخصية، وكل ما هو متاح ويمكن استخدامه في سبيل تحقيق النتيجة، دون الحاجة إلى ابتكار أدوات مخصصة لذلك.
ويقابل ذلك رغبة عارمة في التفرّد والتميّز بالأدوات لدى بعض المنظمات، ويتجاوز ذلك الأنظمة التقنية إلى حتى كيفية الظهور الإعلامي -حتى لو لم يتطلب الأمر ذلك-، وتخصيص كل شيء بما يتلاءم مع احتياجات هذه المنظمة الحالية -كما يزعمون-، واحتياجاتها المستقبلية -كما يراهنون!-.
نموذج الدبّاوالا، والذي ستجد الكثير من القراءات والتحليلات له، هو تجسيد حقيقي للوصول إلى الفعالية التشغيلية العالية دون أي تطبيق تقني، وهنا أدعوك لتأمّل ماذا لو قررت هذه المجموعة تبنّي التقنية في أداء عملياتها التشغيلية؟
من السهولة رصد الإيجابيات المحتملة نتيجة ذلك، ولكني أدعوك للتفكير في الناحية الأخرى، ما هي السلبيات المحتملة لتطبيق الوسائل التقنية؟
سترتفع التكلفة حتماً دون مبرر، مما سيؤثر على استخدام هذه الخدمة، سيزيد تعقيد الأداء والهيكل الوظيفي نتيجة الحاجة لوظائف وأعمال جديدة مرتبطة بالتقنية، سيقاوم العمّال هذا التغيير وستُبذل جهوداً إضافية في سبيل إحداث هذا التغيير، وسيزداد الاعتماد على التقنية مما يؤثر على العمليات التشغيلية في حال تعطّل النظام التقني -وهذا وارد دائماً- أو حتى بسبب عطل جهاز أحد العمال! وسيصل الأمر أيضاً إلى توظيف العمال بناءً على قدراتهم التقنية في التعامل مع النظام بدلاً من التركيز على مهاراتهم الجوهرية المتمثلة في تمييز العناوين والوصول السريع والتواصل مع كافة أطراف العملية.
وهذا كله يدعونا إلى طرح سؤال منطقي وبسيط للغاية، وهو “ماذا نريد من التقنية؟“
قد تتعدد الأسباب لاستخدام التقنية في المنظمات على وجه الخصوص، ولكن قد يكون السبب الأبرز الذي تؤدي إليه غالبية الأسباب هو رغبتنا في تحسين الكفاءة والإنتاجية، سواءً كان ذلك عبر أتمتة العمليات أو تحسين إدارة الموارد أو حتى تعزيز تجربة العملاء، وهذا الأمر -أعني تحسين الكفاءة والإنتاجية- هو محل اهتمام هذه المقالة، وما سأتناوله بتفصيل أكبر، مع الأخذ بالاعتبار النقاط الثلاث التالية:
أولاً: هناك ثمن للتقنية!
حتى لو كان التطبيق ناجحاً تماماً، فبمقدار تقدّم التقنية المستخدمة، أو تعدد التقنيات المطلوبة، فهناك ثمن ينبغي دفعه جرّاء هذه الاعتمادية العالية، سواءً من خلال توفير فرق العمل ذات الكفاءة الملائمة، أو الصرف المستمر على تطوير هذه التقنيات وتحمّل تكاليفها التي لا تنتهي.
ثانياً: التطبيق التقني هو حل، وليس سحر!
ينبغي أن يكون هناك هدف واضح وصريح ومباشر لتطبيق التقنية في أمرٍ ما، وينبغي أن يكون استخدام التقنية هو الحل الأمثل لذلك، وما لم يكن هناك هدف محدد وقابل للقياس وواقعي يمكن تحقيقه، فلعله من الأفضل البحث عن حل آخر قبل إلقاء اللوم على التقنية.
ثالثاً: التطبيقات التقنية هي ترجمة لعملياتك!
وهنا مربط الفرس، فالكثير من برامج التحوّل التقني تفشل لأنها لا تتمكن من تحويل سلسلة العمليات القائمة إلى الأنظمة، ليس لعجز الأنظمة بقدر ما هو ضبابية الإجراءات أو عدم دقتها أو ضعفها بالمجمل، ومن أشكال الضعف عدم منطقية بعض الإجراءات، الأمر الذي يغفل عنه بعض القادة مما يؤدي في نهاية المطاف إلى تجلّي هذه المشكلة فور تحويلها تقنياً بعد تطبيق مستند متطلبات الأعمال التقنية الذي أعدّه محلل أعمال لا يفهم بالضرورة ما هو الهدف من هذا الإجراء ولا من سلسلة العمليات، ولا ألومه في ذلك.
ولتفكيك هذا التحدي، سأعرّج قليلاً على سلسلة العمليات في أي منظمة كانت، وكيف تترابط الإجراءات ببعضها البعض، كمدخل لاستيعاب الاحتياجات التقنية لغرض رفع الكفاءة التشغيلية للمنظمة. إنَّ أي منظمةٍ كانت، تعمل في سبيل تحقيق قيمة أو مجموعة من القيم، تعتمد بشكل أساسي على تفاعل وتناغم العمليات المختلفة داخلها. تتشابك هذه العمليات مع بعضها بطريقة تؤثر فيها كل خطوة على الأخرى، مما يعني أن أي تحسين في جزء واحد من السلسلة يمكن أن يؤدي إلى تحسينات في أجزاء أخرى.
لذا، من الضروري فهم ترابط العمليات وتفكيكها بشكل دقيق لتطوير الإجراءات وتحسينها قبل تطبيق التقنية. هذا الأمر يصبح أكثر أهمية في الأعمال الفريدة غير الاعتيادية، حيث تتميز كل منظمة بعملياتها الخاصة التي قد لا تتشابه مع تلك الموجودة في منظمات أخرى. على سبيل المثال فأعمال تطوير المنتجات التقنية تتطلب تعاوناً بين فرق متعددة مثل فرق التصميم، والهندسة، وتطوير الأعمال والتسويق وغيرهم، تحسين العملية هنا يتطلب تنسيقاً أفضل بين هذه الفرق، وتقليل الوقت المستغرق في كل مرحلة من مراحل التطوير، وضمان أن كل مرحلة تسلم المعلومات والمواد الضرورية للمرحلة التالية بشكل دقيق وفعال.
من ناحيةٍ أخرى، فإن العمليات الشائعة بين المنظمات والتي ترتبط بشكل مباشر بالتشريعات والأنظمة مثل أعمال الموارد البشرية والمشتريات ونحوها تتشابه في إجراءاتها في معظم المنظمات سواءًا حكومية أو خاصة، وهذا التشابه يسهّل تبنّي أي نظام جديد بسهولة أكبر. لكن في الأعمال الفريدة، لا يمكن الاعتماد دائماً على حلول جاهزة؛ بل يجب تحليل العمليات الخاصة وفهم تفاصيلها الدقيقة لإيجاد الحلول المناسبة التي تعزز الكفاءة التشغيلية وتلبي الاحتياجات الفريدة للمنظمة، قبل تبنّي أي نظام أياً كان.
وهنا جديد لسؤال مهم جديد؛ كيف نعرّف القيمة التي نرجوها في نهاية المطاف؟
واحدة من أهم واجبات قيادة أي منظمة، هي القدرة الواضحة على تحديد القيم النهائية التي تنتجها هذه المنظمة، ولعل من أكثر أساليب حصر العمليات والإجراءات -لا سيما في المنظمات المترهلة أو التي مرّت عدة مرات بتحولات استراتيجية-، هو التركيز على حصر القيم النهائية التي ينبغي للمنظمة تقديمها، ومن ثمَّ ربطها بكافة الإجراءات المرتبطة بهذه النتيجة، الأمر الذي لن يكون سهلاً بطبيعة الحال، وستخرج بضبابية في بعض الإجراءات وتعارض في بعضها الآخر، والحل المثالي في وجهة نظري هو عدم محاولة بذل جهد إضافي في محاولة توثيق الوضع الراهن، وصرف النظر إلى تصميم الوضع المثالي والعمل عليه مباشرة.
في نهاية هذه الرحلة التي ستستغرق وقتاً لا بأس به بحسب طبيعة المنظمة وتاريخها وحجمها، سينتهي المطاف غالباً بوجود أشخاص لا عمل لهم، نظراً لقيامهم سابقاً بإجراءات لا معنى لها بالضرورة، ولكن النظام كان يتطلبها! بمعنى آخر: ستكون المنظمة أكثر رشاقة من أي وقتٍ سابق! وأفرادها أكثر تحملاً للمسؤولية وإدراكاً لها، وأكثر قدرة على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت الصحيح.
أيضاً قد ينتج عن ذلك ضغطاً إضافياً على أفرادٍ آخرين، وتبدأ الحاجة إلى قيادة عمليات تغيير ثقافي على مستوى المنظمة بشكل عام، وأستحضر هنا رأي أحد أباطرة الاستراتيتجية في التاريخ، الراحل كلايتن كريستنسن، حين وصف بأن ثقافة أي منظمة هي نتيجة عملياتها، وأن التغيير الثقافي هو تغيير هذه العمليات، ولا يحدث التغير الثقافي بسبب الرغبة في التغير الثقافي ومحاولة تغييره لأجل التغيير! (وأدعوك هنا لقراءة هذه المقالة الرائعة لكريستنسن في أي وقتٍ لاحق -بعد أن تُنهي هذه المقالة- من هنا: https://hbsp.harvard.edu/product/399104-PDF-ENG ).
الآن؛ في هذه المرحلة بعد بناء العمليات الصحيحة، ستكون المنظمة جاهزةً أكثر من أي وقت سابق لتبنّي نظاماً فعالاً قادراً على ترجمة العمليات الملائمة بشكلٍ تقني، على افتراض أنه تم تحليل مسار العمليات بشكل صحيح (أو أكثر صحَّة مما سبق على الأقل!) وفهم الاعتماديات في العمليات (Dependences) ومواضع عنق الزجاجة (Bottle Necks) التي تعرقل مسار هذه العمليات وتقلل من كفاءتها، وقد تكتشف أنها لم تعد بحاجة لهذه التقنية أو تغيّر توجهها وتركيزها في تبنّي التقنية، وسيكون في كل الحالات دوراً فعّالاً للتقنية، وإلا ما فائدة أن نتبنى نظاماً تقنياً مذهلاً يعالج ١٩ خطوةً من أصل ٢٠، كانت كل واحدةٍ منها تستغرق نصف ساعة عمل سابقاً، إذا كانت الخطوة العشرون تستغرق ١٠ أيام عمل؟
ومن الممارسات الشائعة رغم استيعاب الكثير من القادة إلى الحاجة إلى رصد وتحسين العمليات مسبقاً، هي محاولة القفز مباشرةً إلى التطبيق التقني ومعالجة الأخطاء الإجرائية لاحقاً من باب المرونة في تنفيذ المشاريع “Agility”، ولكسب وقت أكبر بدلاً من الانتظار إلى السنة القادمة واعتماد ميزانيات جديدة، وفي كثير من الحالات يمارسون ضغوطاً كبيرة على فريق عمل التطوير والتحسين في سبيل ضمان وجود هذه الروح المرنة “Agile Sprit”، ورأيي الشخصي في هذا الأمر أنه ممكن دائماً، وبشرط وحيد: أن تكون المنظمة لديها هذه المرونة في تخصيص الميزانيات أيضاً من ناحية المبالغ والتوقيت دون الحاجة إلى التخطيط السنوي أو الرصد السنوي للميزانيات، وأي محاولة لفرض مرونة عالية في التطبيق دون وجود مرونة في الميزانيات، فهي من قبيل تحديث العاقل بما لا يُعقَل.
وإضافةً إلى ذلك؛ فمن أكثر المطبّات الشائعة التي تعرقل حياة أي مشروع تقني مؤسسي، هي كثرة الافتراضات العشوائية والتعمّق في محاولة تطوير حل يعالج الاحتياجات المستقبلية (مستقبلية بحسب افتراض المخطّط) بما يعطّل فرصة معالجة الوضع الراهن. أتفهّم وجود متطلبات عامّة من قبيل أهمية وجود قابلية لتطوير هذه التقنية التي سيتم تبنّيها، ولكن المبالغة في هذا الأمر في سبيل حل مشاكل لم تبدأ أصلاً فيدخل في كثيرٍ من الحالات تحت باب العبث أو التنجيم، وسيضخّم من نطاق عمل الحل التقني بشكل يزيد من احتماليات الفشل.
وعوضاً عن محاولة اصطياد عشرة عصافير بجبل، فقد يكون خيار التمرحل في التطبيق أكثر منطقيةً بما يمكّن من الاستفادة من كل مرحلة وأخطائها وتحدياتها وآثارها التي تتعدى العمليات والقيمة النهائية إلى ثقافة المنظمة، وتمكّن الجميع من الوصول بسلام إلى النتيجة المنشودة بكفاءة واقتدار وثقة.
ختاماً؛ وبعد هذا كلّه، ألخّص كلامي بأن تحسين العمليات يتم من خلال تحسين العمليات، وليس بالتقنية، ودور التقنية هنا ينحصر على رفع كفاءة هذه العمليات وموثوقيتها، وإن لم تكن هذه العمليات سليمة أو موثوقة أو تمتلك الحد الأدنى من الكفاءة، فلن ينتج شيء سوى خسارة الوقت والجهد والمال.