أستطيع أن أقول جزافاً وبكثيرٍ من الثقة، أن الموظف إن كان يعيش نهاية السنة أقصى درجات التوتّر في عمله، فذلك دلالة صريحة على تبنّي المنظمة التي يعمل فيها لعملية تقييم الأداء السنوي، وإن كان يعيش كما يعيش باقي أيام السنة، وهذا دلالة أن المنظمة لا تهتم ولا تأبه بقياس الأداء على الإطلاق. فالتوتر والقلق والتوجّس وعدم الثقة والشكوك ونحو ذلك من المشاعر والأحساسيس، ما هي إلا أعراض طبيعية إلى حد لا بأس به من أعراض تقييم الأداء السنوي، ولا أتصوّر وجود بيئة عمل تطبّق هذه المنهجية بشكل جاد ولا تمر على موظفيها هذه المشاعر السلبية المختلطة أو بعضاً منها.
وسأزيد أيضاً، أنه من النادر أن تجد حالة رضا عام من الموظفين في مختلف بيئات العمل عن المنظمات التي يعملون لها حيال تقييم الأداء السنوي. وستستنتج على الأرجح أن عملية التقييم في مجملها عملية غير عادلة في نظر كثيرٍ من قيادات المنظمات وموظفيها، بمن فيهم موظفي الموارد البشرية المسؤولين عن إدارة الأداء أيضًا.

وكمدخل لمحاولة تفكيك هذا التحدي، لن أتطرّق إلى “لماذا تقيس المنظمات أداء موظفيها؟” فالسؤال قد يبدو بديهيًا والإجابة كذلك. ولكن كيف بدأ هذا المفهوم وكيف تطوّر؟ وهذا سيعود بنا إلى بداية نشأة الأعمال بشكلها الحديث، وتحديداً مع عصر النهضة الصناعية الذي بزغ منتصف القرن الثامن عشر حتى أوائل القرن الماضي، والذي كان تقوده العقليات الصناعية التي تعامل الموظف كعنصر من عناصر الإنتاج، فبدأت حينئذٍ محاولات قياس مخرجات الموظف وتطوّرت بمرور الوقت أدواتها، وأصبحت العنصر الأساسي -وربما الوحيد- من عناصر تقييم الموظف ومكافأته.
تدريجياً؛ وبمرور الوقت وتطوّر علوم سلوك الإنسان، والتي بدأت تطبيقاتها لأول مرة في الجيوش في منتصف القرن الماضي، ظهر الاهتمام بأنماط الشخصيات وأثرها على بيئة العمل ونمو المنظمة إجمالاً، وبذلك دخلت الجدارات السلوكية والقيادية ضمن معايير التقييم، وتجاوزت إطار الإنتاج المحض، قبل أن تتوسّع هذه العلوم وتطبيقاتها في بيئات العمل أواخر القرن الماضي وتبدأ علوم الموارد البشرية في التموضع الاستراتيجي في إطار عمل الشركات، وبدأت تنظر للموظف كجزء من كل داخل المنظمة، بعد أن كانت تنظر إليه كعنصر مستقل وقائم بذاته، وظهرت إثر ذلك مفاهيم جديدة مثل التقييم المحيطي أو الشامل أو ما يعرف بـ”360 Degree Feedback” الذي يُركّز على المهارات القيادية للمدراء على وجه الخصوص.
وعلى الرغم من أن معظم المنظمات في العالم لم تتجاوز هذا الحد حتى اليوم، لأسباب أراها منطقية ومفهومة إلى حد كبير، من أهمها عدم نضج نماذج وأساليب التقييم الحديثة بشكل كاف، وارتفاع العبء التشغيلي الناتج عن تطبيق بعض الأساليب الحديثة، التي تحاول أن تتناغم مع كل أساليب العمل والتسارع المستمر في إيقاع الأعمال، إلاّ أن موجةً جديدة ظهرت مؤخراً تعتمد التركيز أكثر على قياس تحسين الأداء المستمر بدلاً من التقييم السنوي، ورفع الاهتمام بالمهارات السلوكية والقيادية بشكل أكبر، فتشكّل لدينا في نهاية المطاف نموذج تقييمٍ شامل ومستمر يجمع ما بين قياس مخرجات الأعمال ومهارات الموظف السلوكية والقيادية بما يتلاءم مع طبيعة أعماله.
واتخذت عدداً من كبرى الشركات هذه المنهجية التي ألقت بالتقييم السنوي جانباً أو غيّرتها بشكلٍ كبير مع الحفاظ على مضمون التقييم، بهدف ضمان التطوّر المستمر للعمل والتحوّل من عقلية “الوعد آخر السنة” إلى عقلية “التحسين المستمر”، ومن أبرز تلك الشركات قادة التقنية مثل مايكروسوفت وأدوبي وديل وغيرهم، وعدد من الشركات الاستشارية مثل إكستنشر وبرايت ووتر هاوس وديلويت، وغيرها من الشركات في قطاعات مختلفة مثل جينيرال إلكتريك وغيرها. وظهر في الآونة الأخيرة؛ لا سيما بعد مرحلة وباء كوفيد، مزيج جديد من المعايير يركز على ناحيتين، الأولى هي الإنتاجية كما كانت قبل مئة عام، والثانية هي الرفاه أو ما يسمى بـ”Wellbeing”، أو بمعنى أدق: كيف نضمن إنتاجية الموظف بما يحفظ راحته ولا يثير قلقه، ولعل من العجيب أن أبرز أدوات قياس هذا المزيج هو أدوات تقنية تقوم برصد ومراقبة كل تحركاتك على جهازك وبريدك الالكتروني في سبيل محاولة تخمين حجم إنتاجيتك، فأي قلق يحاولون زوراً تجنيبك إيّاه بعد هذا؟

نظرة تصوّرية شاملة على تطوّر منهجيات تقييم الأداء منذ بداية القرن العشرين وحتى اليوم
وإن كنت أؤمن بأن اتجاه سوق العمل في العالم عموماً وفي السوق السعودي خصوصاً سيتجه تدريجياً إلى جانب “التحسين المستمر”، أو أظنه قد بدأ فعلاً في ذلك، إلا أنني أشكّ تماماً أن نصل إلى درجة مراقبة الإنتاجية بشكل مؤسسي في سوقنا السعودي (تطبّق هذه المنهجية منذ فترة لا بأس بها في مراقبة وظائف محددة وحساسة، لأسباب أمنية أو لأسباب تتعلق بضبط الجودة، ومن أبرزها وظائف مأموري مركز الاتصال) نظراً لتعارضها مع الكثير من القيم والمفاهيم الاجتماعية التي تميّز مجتمعنا السعودي والعربي عموماً، لذلك قد ينجح تطبيقها على الموظف المغلوب على أمره في مركز الاتصال، ولا أرى لها طريقاً لتصبح أداة تقييم مؤسسية على مستوى المنظمة.
وبالحديث عن القيم والمفاهيم، وحيث أن كافة أدوات تقييم الأداء الشخصي هي أدوات مستوردة بالكامل، واستخدامها كان محدوداً للغاية إلى فترة قريبة، وفي أحسن الحالات كانت تطبّق بشكل غير مدروس في كثير من الجهات -ولا تزال كذلك في عددٍ لا بأس به منها-، فمن المهم استيعاب الفروقات الثقافية بيننا وبين بلدان منشأ هذه الأدوات، والتي تجلّت أبرز صورها عند تطبيقها لأول مرة في القطاع العام، ولعلك شاهدت أو لمست ذلك في حينها، ورأيت كيف -أو هكذا أتمنى- كيف تحسّن تقبّل عموم الموظفين تدريجياً لهذا الأمر بمرور الوقت.
دون شك؛ فالتطبيق الحديث لكثير من تطبيقات التقييم السنوي سيعتريه الكثير من التحديات وفرص التحسين، والتي سينجم عنها تذمّر -وربما تضرّر- الكثير ممن يمرون بهذه التجربة، ويؤسفني أن أقولك كذلك أنها ليست مسألة ستختفي بمرور الوقت، بل ستبقى حالات التذمر وعدم الرضا وربما أكثر من ذلك ما دام التقييم السنوي قائماً.
ولعل واحدةً من أبرز تحديات عمليات تقييم الأداء السنوي، أنها تحوّلت بمرور الوقت من وسيلة للارتقاء بالموظف وتطويره بشكل شخصي ثم الارتقاء بالمنظمة وأدائها العام، إلى وسيلة لتحديد المكافآت والعلاوات، الأمر الذي نتج عنه صرف نظر الكثير من المدراء والمسؤولين عن تفاصيل التقييم لأنه سينحصر نهاية العام على درجة تتراوح من 1 إلى 5، تحدّد استحقاق الموظف المالي من مكافأة وعلاوة وربما ترقية، بناءً على رضا مديره عليه من ناحية مهنية أو حتى غير مهنية.
في دراسة أجرتها مؤسسة جالوب في وقتٍ سابق، كشفت أن 14% فقط من الموظفين راضين تماماً عن تجربتهم في التقييم السنوي، ويجدونها ذات فائدة وقيمة بالنسبة لهم، ولعل أهم خلاصة من هذه الدراسة هي أن مساوئ عملية تقييم الأداء السنوي أكثر من محاسنها! وعلى الرغم من الإجماع على أهمية عملية تقييم الأداء، ودورها في تحديد المكافآت وربط المسؤوليات على القادة والموظفين، إلا أن هناك إجماع أن نظام تقييم الأداء السنوي لا يطوّر من أداء المنظمة ولا يرفع مستوى الاندماج الوظيفي وليس الوسيلة المثالية لتحديد المكافآت والترقيات.
والسؤال هنا؛ وإذا ما أخذنا بالاعتبار التكاليف العالية التي تتكبدها المنظمات المختلفة سنوياً نظير إجراء تقييم الأداء السنوي، فما هي أسباب هذه المشكلة؟ ولماذا لم تعد عملية تقييم الأداء عملية غير مفيدة -بل ضارّة!- للمنظمات؟
بإيجاز شديد، رأى عدد كبير من المشاركين في هذه الدراسة أن تقييم الأداء لا يفيدهم ولا يضيف شيئاً للمؤسسة، لأسباب متنوعة تعود جميعها إلى ضعف عملية التواصل بين المدير والموظف من ناحية مشاركة التعليقات على الأداء وفرص التحسين، سواءً بسبب عدم تخصيص الوقت الملائم لذلك، أو عدم تخطيط العملية بشكل جيّد، أو أن المشاركة تتم في وقت متأخر جداً بعد أن فات كل ما يمكن تحسينه، أو عدم تأهيل المدير بالشكل الكافي لعملية تقييم الأداء السنوي.
إضافةً إلى ذلك؛ ففي الكثير من المنظمات تحاول عملية تقييم الأداء أن تغطي أشياء كثيرة جداً قد تكون أكثر مما يحتمل الأمر، وقد لا تفي الجلسات القصيرة المتقطعة لمراجعة الأداء في الإحاطة بها بشكل كافٍ، وينتهي الأمر بأن يتم التركيز على النتيجة النهائية وتقدير المدير لاستحقاق الموظف دون أن تضيف هذه العملية أي قيمة على الإطلاق للمنظمة، وتنحصر بنهاية الأمر على رضا مديرك عنك شخصاً وعملاً، فضلاً عن دور المنحنى القسري (The Curve) في المفاضلة النهائية.
وهنا أيضاً معضلتين رئيسيتين في عملية التقييم، وهي أنها تمر بعملية تصنيف للموظفين (من 1 إلى 5 بحسب سياسة التقييم) ثم عملية مفاضلة من خلال تطبيق المنحنى القسري أو “الكيرف”، وهو الأسلوب الذي تتبعه الغالبية العظمى من المنظمات، وتبني على أساس ذلك الاستحقاقات والمكافآت والترقيات، لك أن تتخيل أن منظمةً ما تمنح الحاصلين من 81 فأكثر 5 درجات في التقييم وهي العلامة الكاملة، فلو أن موظفين اثنين أحرز الأول منهم 81 والثاني 80، فهذا يعني أن يحصل الأول على تقييم 5، والثاني 4، ثم بعد المفاضلة وتطبيق المنحنى القسري تم تخفيض الجميع وحصل الثاني على تقييم 3 فقط، وقد يترتب على ذلك تأخير حصوله على الترقية المستحقة، وقد تكون مكافأته نصف مكافأة زميله الذي تفوّق عليه بدرجة واحدة فقط!
اطلعت على أكثر من دراسة ورأي وورقة وتقرير تناولت هذه الإشكاليات، وأستطيع أن أقول أن الغالبية العظمى تتفق على عدم وجود العدالة الكافية في أنظمة التقييم التقليدية، ولكنها في الوقتِ ذاته تتفق -تقريباً- في عدم معرفة البديل المناسب، كيف نستبدل الوضع الحالي لتقييم الأداء السنوي بكل ما فيه من مساوئ بنظام آخر يحقق العدالة في تقييم الموظفين؟ كيف نحقق ذلك دون أن نضطر إلى تبنّي طرق ووسائل جديدة نكتشف في نهاية المطاف أنها تقودنا إلى ذات النتيجة؟
حسناً؛ بعد أن استغرقنا في المشكلة وتحليلها، فما هو الحل؟ لا أظنك جادًا إن كنت تظن أن كاتب هذه الأسطر يخبئ حلاً سحرياً يكتنزه بجعبته، لو كان كذلك لباع ما لديه مع جملة الحلول المختلفة التي تصرف عليها إدارات الموارد البشرية الملايين في كل عام، وإن كنت تظن أن العدالة المطلقة ستجد طريقها في بيئات العمل فأخشى عليك أن تكون متفائلاً إلى درجةٍ تختلط عليك بعض المفاهيم الأساسية، والتي من أن أهمها أن العدل المطلق سيتحقق في الدار الآخرة لا الحياة الدنيا، وسأوصيك بشدّة أن تعيد تهيئة تفكيرك ليتناغم مع تحديات الموظف المحترف في القرن الجديد.
هذا كله لا يعني التسليم بالمأساة السنوية، بل أن فهم المشكلة وتحدياتها وطبيعتها هي المدخل الحقيقي لمحاولة تخفيف أضرارها ومساوئها، ورفع فرص إمكانية استفادة المنظمات من عملية تقييم الأداء الوظيفي أو إدارة الأداء، إلى جانب تنمية قدرات الموظف الخاضع للتقييم وتوفير مصدر ثري يمكنه من الارتقاء المهني على المدى البعيد، وسأحاول تلخيص أبرز هذه النقاط الرئيسية، محاولاً قدر الإمكان التركيز على الحلول القابلة للتطبيق على أضيق نطاق.
بذل الجهد الكافي في تحديد مؤشرات الأداء الوظيفي
على الرغم من كون هذه العملية عملية جوهرية وحسَّاسة للغاية، إلاّ أنها في كثيرٍ من الحالات يتم “سلقها سلقاً”، سواءًا بسبب تقصير المدير المسؤول، أو بسبب ضيق المدة المخصصة لذلك، رغم إدراك كافة الأطراف بأهمية العملية، إلاّ أن التفسير الشائع لعدم تخصيص الوقت الكافي هو أن النتيجة النهائية للتقييم لا تتطلب بذل كل الجهد اللازم لتعبئة وتدقيق ومراجعة نموذج طويل وتفصيلي، أي أن المدير والموظف يتعاملون مع هذه العملية كوسيلة للمكافأة، لا كوسيلة لتقويم الأداء وتحسينه بما ينعكس على المنظمة.
في الوضع المثالي، يفترض أن تنتهي عملية تحديد مؤشرات الأداء الوظيفي بشقّيها (مستهدفات الأعمال والمستهدفات السلوكية والقيادية) بإعداد خطة تشرح كيف سيحقق الموظف هذه المؤشرات، وتشمل هذه الخطة قياس أداء الأعمال إلى جانب قياس الجدارات والسلوك، الأمر الذي يمهّد لعملية المراجعة بشكل سلس ومرن وعملي.
المراجعة ثم المراجعة ثم المراجعة
قد يكون رتم الأعمال الراهنة أسرع من أي وقتٍ لاحق، إلى الدرجة التي تجعل كل رئيس ومرؤوسيه يتحاشون الجلوس ومراجعة الأهداف ومدى تقدمها بشكل دوري، وفي أحسن الحالات يتم عقد جلسة بسيطة منتصف العام ثم تتعاظم كرة الثلج في نهاية السنة، من أجل ذلك فجلسات التقييم الدورية والمراجعات تخفف -في أسوأ الحالات- من وقع نتيجة التقييم النهائية، وتمنح الموظف الفرصة الكافية لتحسين أدائه بما ينعكس بشكل إيجابي على المنظمة.
غالباً ما تواجه جلسات المراجعة ثلاثة تحديات، أولها عدم جاهزية المدير أو حتى الموظف، ثانيها عدم تخصيص الوقت الكافي والملائم لمثل ذلك، وآخرها وأسوأها عدم قناعة المدير بالمعايير التي تم الاتفاق عليها بداية السنة، مما يدفعه إلى تحاشي نقاشها وتأجيلها لنهاية العام.
وهذه التحديات جميعها تهون عند التحدي الأكبر، والذي يمكن تلخيصه بأن يتعامل الجميع مع عملية التقييم كأداة تحدد المكافآت والترقيات فقط.
تأهيل المدراء ليكونوا مقيّمين أفضل
ينبغي أن نتفق في البداية أن عملية التقييم ليست مهمة صعبة، وليست مهمة يتم تنفيذها مرة في السنة، بل هي محصلة سلسلة من اللقاءات والجهود المشتركة من الرئيس والمرؤوس، ولا يمكن أداء هذه المهمة بشكل فطري ما لم يكن هذا المدير نبياً مرسلاً يتنزّل عليه الوحي، لذلك فمن المهم بذل أقصى ما يمكن في سبيل تعلّم مهارات الإرشاد والتقييم بشكل عام، ليس لأداء هذه المهمة فحسب، بل كجزء من استعداد المدير لأن يكون مديراً أكثر كفاءة، وأكبر قدرة على قيادة مهام ومسؤوليات أعظم، وفرق أكبر وأعقد وأصعب.
هذا التأهيل لا ينحصر على مجرد ما توفره إدارة التدريب في المنظمة، وعدم توفير المنظمة للمصادر أو الدورات الملائمة لا يعدّ عذراً كافياً، بل يمكن لصاحب الاهتمام أن يغرق بكمية المراجع والمصادر التي تساعده في فهم دوره في الإرشاد الوظيفي وتقييم أداء الموظفين، ولعل من أبرزها مختلف إصدارات “Harvard Business Review HBR” في هذا المجال.
الدعم المؤسسي لعمليات تقييم الأداء
بطبيعة الحال فالمهارات الفردية تتفاوت من شخص لآخر، وقدرات كل شخص تتمايز عن الآخر، فبعض القادة لديهم القدرة العالية على إدارة الموظفين وتقييمهم ولديهم الحافز الشخصي لذلك، في حين قد يتحاشى البعض هذا الأمر، أو لا تتواجد لديهم القدرة الكافية لإدارة هذه العملية بكفاءة، أو ربما يكون عدد الموظفين المباشرين معه أكبر من قدرته واستيعابه، كل هذه الأسباب وأكثر مبررات كافية لتبني إدارات الموارد البشرية تطبيق آلية دعم مستمرة طوال السنة للمدراء في سبيل تقييم موظفي المنظمة بالشكل المثالي.
هذا الدعم، قد يبدأ بمجرد تدريب موجز أو سريع، ويمرّ بتتوفير بعض الأدوات المنهجية التي تقيّم وضع الموظف الحالي، مروراً بجلسات مراجعة مع المدير بشكل مستمر تشمل مراجعة خطط التطوير ومؤشرات الأداء ومراقبة التطوّر بشكل مستمر، وصولاً إلى مرحلة التقييم النهائي.
هذا الدعم يحقق ثلاثة أمور مجتمعة، يقيّم قدرة المدير في إدارة موظفيه وتطويرهم، ويطوّر من كفاءة المدير أيضاً ويرفع من فرص نجاحه في إدارة فرق العمل، وأخيراً يزيد من فرص تطوّر موظفي المنظمة.
بذل الجهد لفهم الموظف
إن كنت تدير موظفين في الوقت الراهن، أو سبق لك ذلك، لعلك لاحظت أن هناك الموظف الذي لا يستطيع العمل دون توجيهات واضحة ومعايير دقيقة، وهناك الموظف الذي يخنقه العمل الذي لا يتم إلا بتوجيه صريح مباشر وتوضيح دقيق وصارم من المدير. كلاهما قد يكونا موظفين رائعين قادرين على إدارة العمل المطلوب بنجاح وكفاءة –ما لم تتطلب طبيعة الأعمال غير ذلك- إلاّ أن إذا تبنّى المدير ذات المنهجية مع الاثنين فلن يجد ذات النتيجة من الاثنين على الأرجح، والأمثل في هذه الحالة أن يتعامل المدير مع موظفه بالطريقة التي تضمن أن هذا الموظف سيُنتج أفضل ما لديه.
تساعد بعض الاختبارات -التي افترضت أن يتم توفيرها من قبل الموارد البشرية- في فهم الموظفين بشكل أمثل، وفي فهم كل موظف لنفسه بشكل أفضل، ومن أشهرها -مما أعرف- زنجر فولكمان “Zenger Folkman” والآخر هو قوى كليفتون “Clifton Strengths”، والأهم من ذلك باعتقادي هو قدرة المدير على الوعي بردود فعل موظفيه بشكل جاد، دون أن يأخذه ذلك إلى مسار الشك والظنون، ومهارته في دعم مسيرة الموظف المهنية وجدّيته في الاهتمام بخطة تطوير الموظف.
تحديد مؤشرات أداء ذات معنى مرتبط بالوظيفة
تبنّت مايكروسوفت منهجية جديدة في تقييم الأداء بالاعتماد على المؤشرات المستقبلية “Leading indicator” جنباً إلى جنب مع المؤشرات المنصرمة “Lagging Indicator”، بدلاً من الاكتفاء بالمؤشرات المنصرمة (واستميحكم عذراً لهذه الترجمة حيث لم استسغ استخدام عبارات المؤشرات السابقة والمؤشرات اللاحقة) حيث لن يكون من المفيد للمنظمة مراجعة ما مضى وانتهى، بل ستنحصر الفائدة على جانب مكافأة الموظف لا أكثر، وهذا ما دعى رئيس شركة مايكروسوفت من خلال رئيسها الحالي ساتيا ناديلا إلى تبنّي منهجية جديدة تراعي كلا المؤشرات المنصرمة والمستقبلية.
وكمثال للتوضيح في حالة مايكروسوفت؛ فالمؤشرات المنصرمة على مستوى منتج محدد (مايكروسوفت أوفيس مثلاً) يمكن أن تكون عدد المشتركين الجدد، فكلما ازداد العدد كان المؤشر إيجابياً، وأيضاً مؤشر نسبة المشتركين المنسحبين “Churn Rate” كلما ازداد المعدل كان المؤشر سلبياً، فهذين المؤشرين هما مؤشرين ضمن المؤشرات المنصرمة التي لا يستطيع الموظف معالجتها عليها بعد انقضائها، لذلك أضافت مايكرسوفت مؤشراً آخراً كمؤشر مستقبلي في هذه الحالة وهو عدد المشتركين النشطين، حيث أن هذا المؤشر هو مؤشر مستقبلي يتنبأ بمؤشر منصرم، لأن انخفاض المشتركين النشطين سيؤدي إلى انسحابهم لاحقاً.
هذا الأمر؛ وبحسب ساتيا ناديلا، أثّر على ثقافة الشركة إيجاباً من خلال إضافة عمقٍ ومعنى لمؤشرات الأداء، وعزّزت مستوى التعاطف بين موظفي الشركة ومستخدمي منتجاتها، الأمر الذي يقود الشركة إلى تحقيق نجاحات ملموسة من خلال تبنّي المؤشرات التي تتنبأ بالمستقبل إلى جانب المؤشرات المنصرمة.
لذلك؛ اتخاذ مزيجاً من المؤشرات المستقبلية والمنصرمة سيخفف من وطأة التقييم، وسيمنح الموظف فرصةً أكبر في تحسين أدائه بشكل مستمر بما ينعكس إيجاباً على المنظمة في نهاية المطاف.
الشفافية العالية
ينبغي أن تتسم العلاقة بين الموظف ومديره بالحد الأدنى على الأقل من الوديّة -وهذا لا يتم بالضرورة عبر غداء العمل أو الأنشطة غير المكتبية المختلفة-، الأمر الذي ييسّر للطرفين القدرة على تبنّي حوارٍ شفافٍ بأقل قدرٍ ممكن من الحساسيّة، مع ضرورة أن يعرف المدير موقعه بشكل جيّد في هذه العملية -الأمر الذي يتم عبر التأهيل- فرأيه ليس محور التقييم، وموضعه هو مرشد للموظف يقوم بدور التيسير في سبيل النجاح في خطة التطوير الشخصية التي تم إعدادها، وهذا التموضع يساعد المدير وموظفه في تبني الشفافية العالية في النقاش بأريحية أعلى وتقلل من تدخّل الرأي الشخصي للمدير بما يقلل الحساسية بين الطرفين.
تجنّب أثر التصنيف
تحدثنا عن أحد مشاكل التصنيف في قائمة من 1 إلى 5 وأثرها في الترقيات والعلاوات والمكافآت السنوية، لذلك فمن المنهجيات الأقل حدّة عن يتم تصنيف الموظفين بالفواصل العشرية، وتطبق ذلك في أسوأ الحالات على العلاوات والمكافآت السنوية، ومثال ذلك أن لو نال موظفاً تقييم 80% وزميله 81% أن يكون نتيجة ذلك أن يحصل الموظف الأول على تقييم 4.9 والثاني يحصل على 5، هذا لو افترضنا أن 5 يستحقها من يحرز 81% بحد أدنى، ويتم توزيع العلاوات والمكافآت على هذا الأساس بدلاً من خلق فجوة كبيرة في الاستحقاق بسبب فرق ضئيل في التقييم.
اقتل المنحنى القسري (The Curve)
قد يكون تطبيق المنحنى القسري من أكثر المنهجيات المؤذية لصحة أي منظمة، فهي كفيلة بتردي تقييم أي موظف متميز بسبب أنه بين موظفين رائعين ومتميزين آخرين، كما أنها تقتل كل جهود المدير التي يبذلها في عمليات المراجعة والتحسين المستمر مع موظفيه، والتي من أهم أهدافها ضبط توقعات الموظف حول تقييمه النهائي، وتقليل أثر النتيجة. فبمجرد تطبيق هذه المنهجية فسيتلاشى -على الأرجح- الدافع لدى المدير والموظف لتبني منهجية تقييم فعّالة ومراجعة مستمرة للأداء طيلة السنة.
قد يكون من الأنسب للمنظمات البحث عن طرق أكثر عدالة، أو أقل ضرراً، بما يحقق الهدف الأسمى من عملية تقييم الأداء السنوي والمتمثلة بتطوير أداء المنظمة، وليس مجرد التقييم بهدف المكافأة وتوزيع الحوافز المالية. وهناك بدائل متعددة ومختلفة قد يراها البعض طريقاً ملتوية للمنحنى القسري، ولكنها في ظني أهون ضررًا.
شخصياً؛ -وأنا بطبيعة الحال لستُ معياراً للأفضلية- فإن أفضل تجربة تقييم أداء مررت بها كانت في منظمة تتبنى التقييم على معيار من 100 نقطة، ويمثل هذا الرقم أحد مدخلات التقييم النهائي، والمُدخَل الثاني هو رقم يمثل أداء الإدارة/ القطاع، والمدخل الثالث يمثل أداء المنظمة بشكل عام بحسب ما يقرّه مجلس الإدارة، ليتم على ذلك تحديد المعامل النهائي لكل موظف والذي يختلف بدوره من قطاع إلى قطاع آخر، أو من إدارة لإدارة أخرى.
وأجد في مثل هذه المنهجية خياراً ملائماً يغطي بعض الأسباب التي تؤدي بالمنظمات لتطبيق المنحنى القسري، وتضمن عدالة أفضل للتقييم، وتدفع بالموظفين للتفكير في خدمة المنظمة بشكل عام بدلاً من التركيز على التنافس والتميّز الشخصي على حساب الآخرين.
تجنّب كثرة الموظفين المباشرين لكل مدير
أتعاطف كثيراً مع المدراء الذين يقع تحت إشرافهم المباشر عدد ضخم من الموظفين، فجزء لا بأس به من وقته سينصرف في متابعة حتى المشاكل الشخصية أحياناً لبعض موظفيه، وخصوصاً في بيئات عمليات التشغيل الديناميكية التي يكثر فيها الموظفين الذين يتبعون لمديرٍ واحد وتكثر فيها المشاكل أيضاً.
تتجّه المنظمات في الوقت الحالي إلى الاعتماد بشكل أكبر على التمدد الأفقي في الهياكل التنظيمية (Flat Structure)، الأمر الذي يزيد من عدد المرؤوسين لكل مدير بشكل طبيعي، وقد يصل في حالات -غير طبيعية- إلى أعداد كبيرة تضاعف العبء على المدير وتجعله تحت ضغط إداري رهيب لإدارة مرؤوسيه، وعلى الرغم من أن بعض النظريات ترى في الرقم “ستة” حداً أقصى للمرؤوسين تحت مدير واحد، إلاّ أنه بطبيعة الحال سيتفاوت هذا الرقم بحسب طبيعة الأعمال، وبحسب القدرات الشخصية لكل شخص، وفي كافة الحالات ينبغي الأخذ بالاعتبار بهذه النقطة والإشارة إليها كنقطة تحدي جوهرية في أي منظمة، والبحث عن بدائل بشكل مباشر فور حدوثها كاستحداث وحدات عمل فرعية أو إعادة دراسة الهيكلة إن استدعت الحاجة.
ولأن المدير هو كائن بشري في نهاية المطاف، أي أن لديه قدرات محدودة، فإن أردنا أن يكون المدير موجهاً ومرشداً لعشرين موظف، فسيكون على الأرجح هذا هو عمله الوحيد طيلة السنة.
التقييم ثقافة منظمة!
أؤمن بقول الشاعر “إذا كان ربُ البيتِ للدفِّ ضارباً .. فشيمةِ أهل بيتهِ الرقصُ”، ولك أن تتخيل لو كنتَ مسؤولاً في الصفِّ الثاني في أي منظمة، وكان رأس المنظمة يبذل جهداً في مراجعة تقييمك بشكل مستمر، وتراه يبذل الجهدَ ذاته مع زملائك، فهل تحتاج حينئذٍ إلى توجيه يُخبرك بضرورة أن تقوم بتقييم موظفيك بشكل مستمر وتراجع معهم ذلك؟
مهما كانت استراتيجية تقييم الأداء فريدة من نوعها، والخطة الموضوعة محكمة، ومهما بذلت إدارة الموارد البشرية من جهد، فكما يقول المثل “الثقافة تلتهم الاستراتيجية كوجبة إفطار Culture eats strategy in the breakfast”، ولن يؤثر في هذا الأمر شيئَا كتأثير رأس الهرم في أي منظمة، وفي ظل التحديات التي تواجه منظمات العصر الحديث في اللحاق بالزمن وترتيب الأولويات والانشغل بتحقيق النتائج، يتجلى دور القائد الحقيقي بين دوره في قيادة المنظمة لتحقيق النتائج ودوره في بناء منظمة قادرة على تحقيق أي نتيجة.