هل تقيس “مؤشرات قياس الأداء” أداء المنظمات؟

تشير تقارير المنظمة التي يرأسها عبدالسلام ويديرها منذ العام الماضي، إلى تقدمٍ كبير في معظم مؤشرات الأداء التي تم تحديدها والاتفاق على آلية قياسها، إلاّ أن عبدالسلام مدركٌ في قرارة نفسه أن شيئاً لم يتغير، وأن التغيّر الوحيد هو ارتفاع المصروفات نظير أجور الشركة الاستشارية التي عملت معه لرسم عملية التحوّل التي جاء لقيادتها، ونتيجة سلسلة المشاريع التي أطلقها لتعزيز هذا التحوّل، غرق عبدالسلام ومن معه من قيادات المنظمة في وحل من الأعمال غير المتناهية التي لا يعرف الجدوى منها، وواقع هذه المنظمة أنها لا تزال كما كانت عليه في الأثر، رغم أن مؤشرات الأداء المرسومة تشير إلى تقدمٍ بالأرقام عن الأعوام المنصرمة.

هذه الحالة، والتي تتكرر في عمليات التحول في أي منظمة، وتزداد بشدة في الجهات الحكومية، ومرد ذلك أن الأثر في القطاع الخاص غالباً ما يتم قياسه بالنتائج المالية، بعكس الجهات الحكومية التي تتفاوت في شكل الأثر المراد تحقيقه ونوعه، وكل ذلك يقودنا إلى مصطلح جديد يتم تعريفه بـ”وهم التقدّم – Illusion of Progress“.

وقبل الخوض في هذا الوهم، ونشأته وأسبابه، سأعرّج قليلاً إلى نشأة مؤشرات الأداء بشكلٍ عام، لفهم السياق التي نشأت فيه هذه المؤشرات لاستيعاب العوارض التي طرأت عليها لاحقاً، وسنتجاوز التفصيل التاريخي لها، لنركز على دخولها في عالم الأعمال بشكل خاص، وتحديداً في منتصف القرن الماضي حين تم تقديم مصطلح الإدارة بالأهداف “Management By Objectives” أو ما يُعرف اختصارًا بـ”MOBs”، والذي عرّفه أستاذ الإدارة والاقتصاد بيتر دراكر لأول مرة، والذي يمكن اختصاره بأنه عملية توزيع المسؤوليات على موظفي المنظمة بما يحقق أهدافها، ومراقبة تحقيق هذه الأهداف وقياسها المستمر ومكافأة الموظفين على أساس سنوي في نهاية المطاف.

بمرور الزمن وتطوّر الاحتياجات وتسارع الأعمال، ظهرت انتقادات مختلفة على هذا المبدأ، تتجلّى في عجز هذا الأسلوب عن تحقيق المرونة الكافية، وعدم توضيحه للكيفية، وفقدانه لمبدأ التشاركية اللازمة بين أفراد المنظمة من القطاعات المختلفة، إلى جانب دفعها للموظفين للتركيز الشديد على تحقيق الأهداف دون الأخذ بالاعتبار بالأخلاقيات والقيم، ومن ذلك ما حدث في فضيحة مصرف ويلز فارجو الأمريكي الشهيرة حين كرّس موظفي المبيعات جهودهم لتحقيق أكبر قدر ممكن من المبيعات حتى لو اضطرهم ذلك للتحايل على العملاء في سبيل تحقيق أهدافهم وهذا ما فعلوه بتشجيع مدرائهم، أو تواطئهم أو صمتهم في أحسن الحالات، فتبع ذلك سلسلة كبيرة من القضايا في أروقة المحاكم نتيجتها وغرامات وتعويضات بمئات الملايين.

هذا الأمر دعا إلى تبنّي نماذجٍ أكثر تطوراً من مؤشرات الأداء، حينها ظهر مصطلح الأهداف والنتائج الرئيسية Objectives and Key Results أو ما يُسمى اختصاراً “OKRs”، والذي قدمه أندي جروف الرئيس التنفيذي لإنتل في السبعينات، قبل أن تزداد شعبيته نتيجةً لتبنّي جوجل في أواخر التسعينات لهذا المفهوم الذي يعزو إليه مؤسسو جوجل قدراً كبيراً من نموّ الشركة.

هذا النموذج، يقوم على تحديد الأهداف على مستوى المنظمة “ماذا؟”، وتعيين مجموعة من النتائج التي تقيس التقدم تجاه هذا الهدف بشكل ذكي قابل للقياس لكل هدف “كيف وكم؟“، مع وجود مرونة معقولة في تغيير أو تحسين أو تعديل النتائج، مع الاحتفاظ بالأهداف المقررة سابقاً. ويمنح هذا النموذج قدرة أكبر للمنظمة على التشارك في تحقيق الأهداف حيث تتشارك المسؤوليات بحسب تأثيرها، مما يوجّهها بشكل تلقائي إلى قدر أكبر من التعاون بين الأفراد من القطاعات/ الإدارات المختلفة.

حسناً؛ هل حلّ هذا النموذج معضلات ما سبقه؟ نوعاً ما، وخلق مشكلات أخرى كذلك، فمن الصعب في بعض المرات الربط بين الأهداف والنتائج المرتبطة بها، وقد لا يكون لها بالضرورة تأثيراً مباشراً، فلو كنت مطوراً عقارياً أو مكتباً هندسياً على سبيل المثال وقررت أن تحقق هدف “بناء المعلم الحضاري الأكثر جذباً في الرياض”، فما هي النتائج التي يمكنك قياسها في هذا الصدد؟ ولو افترضنا جدلاً أن عدد الزيارات لهذا المعلم هو من النتائج التي يمكن قياسها، فهل تعرف زيارات المعالم الأخرى؟ وقبل هذا كله: ما فائدة هذا القياس بعد أن أتممت البناء؟

في مطلع التسعينات، حاول كابلان ونورتن ابتكار نموذج أكثر تطوراً لقياس الأداء، كان هدفه في بادئ الأمر -بحسب كابلان- التوسّع في قياس أداء الشركات بدلاً من حصره في النتائج المالية السنوية. ويجمع هذا النموذج بعض الخصائص من النموذجين السابقين، وظهر ما يُعرف ببطاقات الأداء المتوازن Balanced Scorecards، والذي يهدف إلى تحويل الرؤية الاستراتيجية للمنظمة إلى خارطة من النتائج القابلة للقياس، تؤدي مجتمعة أو متفرقة لتحقيق أهداف المنظمة، من خلال تحديد المؤشرات القابلة للقياس ذات الارتباط بأهداف المنظمة، وتعيين النتائج المرجوّة، وتحديد آلية القياس وتكرارها، ويتميز هذا النموذج بقابليته للتفرّع من أعلى هرم المنظمة حتى أدنى مستوى، في منهج شمولي يطمح إلى التعبير عن أداء المنظمة بشكل مطلق، بدلاً من حصرها في المؤشرات المالية المعبّر عنها في القوائم المالية.

وكما تجاوز هذا النموذج كثير من التحديات، إلاّ أنه اجترّ كذلك كثيراً من مشاكلها، وزاد من عبء هذه المهمة بفضل شموليته واتساعه القابل للتفرّع إلى حدٍ لا نهاية له، ورأيت بعيني جهات لديها من المؤشرات ما تتزغلل منه الأعين، وتصدّع بسببها الرؤوس، وتضيع البوصلة في محاولة تتبع الأثر المُحدث نتيجة تلك القائمة الضخمة.

لا أنتقد الكثرة بالضرورة، بل قد تكون مبرّرة في بعض الحالات، ولكن الأهم من ذلك كله أن تكون ذات معنى، وتقود المنظمة بشكل مباشر -أو غير مباشر- نحو الاتجاه التي أقرّت رسمه، ولئلا استطرد في ذلك سأعود بعد هذه التعريفات إلى نقطة جوهرية: ما هو دور هذه المؤشرات بكافة أشكالها وأسمائها؟

باختصار شديد؛ “هي أداة تساعد المنظمة في معرفة تقدمها نحو هدف معين أو تحقيقها له” انتهى، هذه الأداة قد تكون مزيجاً من كل ما سبق، أو بعضاً من بعضها، أو شيئاً من كل شيء، المهم أن تحقق الغاية التي أُوجدت لأجلها، ورغم وعي المنظمات بأهمية هذه المؤشرات، إلى الدرجة التي حدت بكثيرٍ منها لتخصيص إدارة متخصصة فقط في قياس مؤشرات الأداء، إلاّ أن مشكلة صاحبنا عبدالسلام الذي بدأنا حديثنا به أصبحت أكثر وضوحاً من أي وقتٍ سابق، فهل العيب في الأداة؟

أسمع كثيراً انتقاد البعض لنموذج ما وامتداحهم لآخر، وتفضيلهم لمنهجية على حساب الأخرى، وفي نظري كلها سواء ما دامت قادرة على رصد الأداء بشكل منصف وعادل، فما هي المشكلة؟ هل مؤشرات الأداء جميعها “كلام فاضي”؟

منطقياً؛ وعلى افتراض أن المؤشرات وضعت بشكل منطقي وسليم يعبّر عن أهداف المنظمة، وأن آلية قياسها سليمة وعادلة وتُقاس بشكل صحيح، فالنتيجة المفترضة هو أن مؤشرات الأداء تعكس الواقع، ولذلك فإن شعور صاحبنا عبدالسلام بعدم تحقيقه لأي نتيجة رغم تقدّم مؤشرات الأداء، لا يخلو من ثلاثة أسباب:

المؤشرات المحددة غير منطقية ولا تعبّر عن أهداف المنظمة.

آلية القياس غير عادلة أو القياسات التي تم قياسها غير صحيحة.

طموحات عبدالسلام غير منطقية وتتجاوز الحدود المتفق عليها.

سأتجاوز السبب الثالث، وسأتحدث عن السببين الأول والثاني، للإجابة عن: “لماذا تقع المنظمات في فخ وهم التقدّم؟“، و”لماذا تفشل مؤشرات الأداء في بعض المرات في قياس الأداء؟” وسأستعرض أدناه قائمة بأبرز العوامل التي تؤثر بشكل سلبي على قياس الأداء بالشكل الفعّال.

العجز عن التعبير بشكل صحيح عن أهداف المنظمة

لو قدّر لك أن تعمل في منظمة تهتم بالصحة العامة، قد تجد ضمن أهداف هذه المنظمة مؤشرات من نوع “رفع وعي الجمهور بأضرار السمنة” أو “رفع وعي الجمهور بأضرار التدخين”، وقد تجد أن يتقدمون بشكل سنوي في النتائج ويحرزون تقدماً ملموساً بالأرقام. وهذا من قبيل المضحك المبكي، فأيُّنا اليوم يخفاه ضرر التدخين أو السمنة؟

والتعبير السليم، يستدعي بالضرورة الفهم السليم للسياق، والذي لا يمكن فهمه بمجرد فهم عمل المنظمة دون فهم البيئة التي تعمل فيها بشكل دقيق، وأكبر عدو لذلك هو محاولة تطبيق التجارب السابقة المشابهة في منظمات أخرى، دون الاهتمام بصميم عمل المنظمة، تخيّل لو أن شخصاً عمل في ماكدونالدز أو أي مطعم وجبات سريعة، ثم قدّر له أن ينتقل لمطعم فاخر في منتجع هاديء، لو استنسخ تجربته السابقة في مكانه الجديد فربما يقرر تقليل مدة تحضير الطلب لخمسة دقائق كأحد مؤشرات رضا العملاء دون الأخذ بالاعتبار السياق الذي يعمل فيه.

التصميم العشوائي لمؤشرات الأداء

الأصل أن تُبنى المؤشرات من الأعلى “من رأس هرم المنظمة” للأسفل، ولا يمنع أن يتخلل ذلك مراجعات باتجاهات مختلفة صعوداً ونزولاً، الأهم أن يكون رأس المنظمة هو المسؤول الأول عنها، ودوره يتعدى المباركة أو الموافقة إلى التحديد في بداية الأمر، تحديد التوجهات وتحديد أبرز المؤشرات، ثم مراجعة كافة المؤشرات بما في ذلك تلك المؤشرات التفصيلية الدقيقة.

البعض قد يقول ما دامت المؤشرات الرئيسية الأهم قد تم تحديدها فلا يهم الدخول في التفاصيل، وهنا أختلف للغاية، فكما يهم القائد أن يأخذ الفريق بمهام تنفيذ المؤشرات الرئيسية، فيهمه كذلك ما الذي سيشغل المنظمة طيلة السنة القادمة، وهي باعتقادي الأداة الأهم التي تجعل القائد يفهم كيف يفكر قادة المستوى الثاني وما دونهم، ومدى توجههم نحو أهداف المنظمة، وقدرتهم على فهم أعمالهم بالشكل الذي يرضي طموحه.

قد يعبّر هيكل العمل الوظيفي والأوصاف الوظيفية بشكل عام عن طبيعة الأعمال، ولكن لا شيء يعبّر بشكل دقيق عمّا يعمل الموظفون في الحقيقة كمؤشرات الأداء، لا سيما في الربع الأخير من السنة.

لذلك؛ واحدة من أهم وظائف رأس هرم أي منظمة باعتقادي هو تحديد مؤشرات أداء المنظمة الرئيسي، ومراجعة مؤشرات الأداء التفصيلية واعتمادها.

الربط المباشر بين مؤشرات أداء المنظمة ومؤشرات تقييم أداء الموظفين

من أهم أعداء مؤشرات الأداء السليمة هو أن ترتبط بشكل رئيسي ومباشر ووحيد بتقييم الموظفين، من المنطقي بطبيعة الحال أن ترتبط بعض المؤشرات بأداء الموظفين، ولكن لا ينبغي أن تكون هي من يقيمهم، ولا ينبغي أن تكون كل المؤشرات تنعكس مباشرة عليهم، فالأصل في مؤشرات الأداء هي أن تعكس أداء المنظمة ككل، لا أداء كل موظف بشكل مستقل.

وعلى الرغم من أهمية وجود ربط بين مؤشرات الموظف ومؤشرات المنظمة، إلاّ الربط التام يحوّل تفكير الموظفين إلى التركيز الشديد والمفرط بالأرقام على حساب القيم والركائز، كما حدث في قصة بنك ويلز فارجو، وغيرها كثير، كما يحدّ من تفكير الموظفين إلى ما لا يتجاوز أصابع أقدامهم، ويمنعهم من التخطيط طويل المدى الذي تتطلبه أي منظمة، بل وستجد الكثير ينفر من هذه المشاريع طويلة المدى لأنها لن تعود له بعائد مباشر، واحتمال فشلها أعلى من غيرها، أضف إلى ذلك تحجيم هذه المؤشرات لقدرات الإبداع والأخذ بالمخاطر، فكل الموظفين من أعلى الهرم لأدناه سيكون همهم تحقيق هذا الرقم دون الاكتراث بأي شيء آخر حتى لو كان قيّماً وهاماً للمنظمة.

لهذا السبب؛ ستجد في كثير من المنظمات أن موظفي المبيعات يعتبرونهم زملائهم في نفس المنظمة هم منافسيهم الحقيقيين، ولا يرون خطورة من موظفي المبيعات في الشركات المنافسة، لأنهم لن يأخذوا من نصيبهم!

ولعلي سأستطرد في حيث لاحق في هذا الجانب بشكل منفصل، في تدوينة منفصلة.

الاستعجال في تحديد مؤشرات الأداء

في ظل تسارع عجلة الوقت وكثرة المشاغل والأعباء التي يتخللها ضعف جاهزية بعض القادة في تحديد ما يريدونه بشكل واضح مسبقاً، تبخل بعض المنظمات في منح الوقت الكافي لتحديد المؤشرات، مما ينتهي بها المطاف في كثيرٍ من الحالات بإهمال مؤشرات أداء هامة، أو اعتماد مؤشرات أداء يكتنفها الوهن والضعف.

لا أظن أن هناك قصة تستحق أن تروى كمنهجية بناء مؤشرات كبرامج التحوّل الوطني، والتي تخللتها عدد كبير من ورش العمل التي جمعت كل من له علاقة مباشرة أو غير مباشرة في جلسات نقاش وعصف ذهني متكرر، وجمعت موظفي القطاع العام والخاص من مختلف المستويات من جهات متعددة، في سبيل شحذ الأفكار والخروج بأفضل تجليّات تصف الوضع المنشود وتعبّر عنه بدقّة، ويمكن الاستفادة من هذا النموذج وتطبيقه على مستوى المنظمة الواحدة، وتحديد الأوقات الكافية لجمع كل ذوي العلاقة في عدة جلسات لبناء التصوّر المنهجي المثالي الذي يحقق مستهدفات المنظمة.

أيضاً؛ من التجارب المفيدة في حال إدراك أهمية بعض المؤشرات والعجز عن تحديد مستهدف صريح لها لعجزٍ في توافر البيانات أو لعدم القدرة على تحديد المستهدف، هو توثيق هذا المؤشر كمؤشر هامشي لغرض الاستفادة منه في وقتٍ لاحق أو إلغائه، دون ربطه بأي نتائج بالضرورة، هذا الأمر هو أفضل بما لا يدع مجالاً للشك من اتخاذ مؤشر أداء لا معنى له أو تأثير لمجرد توافر بياناته.

عدم تقدير العبء المناسب لإدارة المهام الجديدة

التسلسل المنطقي لعمليات التطوير والتحسين، هو تحديد هدف، وقائمة مبادرات ومشاريع للوصول لهذا الهدف، ثم إطلاقها وتنفيذها لتحقيق هذا الهدف، وقياسها نتائجها بشكل مستمر عبر مؤشرات أداء متفق عليها، وهذه الأمور مجتمعة بحد ذاتها ترفع عبء الأعمال في المنظمة والتي قد تجد نفسها في نهاية الأمر غير قادرة على تحقيق نتيجة شحّ مواردها لتشغيل هذه الأعمال، مما قد يؤدي في بعض المرات إلى أنها تطلق مبادرة جديدة ومشاريع إضافية تهدف إلى تصحيح هذه الحالة من التقصير دون إداركها أن هذه المبادرة بحد ذاتها تزيد من عبء الأعمال والضغط التشغيلي فتدخل دوامة مستدامة من الضغط.

بدأنا مؤخراً نسمع بمصطلح الاحتراق الوظيفي أكثر من أي وقتٍ سابق، وحضور هذه المؤشرات بكل ما تحمله من عبء إلى جانب المهام والأعمال الأخرى تتطلب لأشخاص ذوي مواهب خارقة وصلابة عالية، وهم ندرة نادرة للغاية، وقد يحاول البعض محاكاتهم فينجرفون إلى دوامةٍ من الانشغال اللاواعي دون أي أثرٍ ملموس، والكثير من الجعجعة دون أن ترى ذرةً من الطحين.

تقديس مؤشرات الأداء

تتعامل بعض المنظمات مع المؤشرات كقرآنٍ منزّل، لا ينبغي المساس به بعد إقراره، وتزداد صعوبة المساس به حينما تخرج وظيفة مؤشرات قياس الأداء من دورها المفترض كأداة لقياس أداء المنظمة إلى أداة لقياس المنظمة ووسيلة لتقييم موظفيها ومكافأتهم، وميثاق شرف تلتزم به المنظمة تجاه مجلس إدارتها، وحبل مشنقة يعلّق فيه القائد رؤوس من يشاء.

وبطبيعة الحال، تحميل المؤشرات ما لا تحتمل، سيقودنا بشكل أو بآخر إلى تجنب أي محاولة للتعديل تفادياً للوقوع في سلسلة مستمرة من التعديلات، مما ينتج عنه هذه القداسة التي تحيط بمؤشرات قياس الأداء، وفي أحيانٍ أخرى يظن البعض أن قرار التعديل قد يكون تهرباً من تحقيق نتيجة أو تبرير فشل، ويفضّل الإبقاء عليها كما هي.

لذلك؛ وفي ظل التسارع المستمر للأحداث من حول أي منظمة، وتأثيرها بشكل مباشر أو غير مباشر، فمن الضروري وجود المرونة الكافية والرشاقة العالية لتقبّل التغييرات، خصوصاً للمؤشرات الفرعية، أو على نتائج المؤشرات الرئيسية إذا تبيّن وجود حاجة لذلك، ويبرز هنا دور الحوكمة السليمة، التي يفترض أن تلعب دوراً هاماً في ذلك بدلاً من أن تكون عائقاً يمنع تحريك أي مؤشر والمساس به.

التعامل مع مؤشرات الأداء كمهمة ينبغي إتمامها فقط

مع تبنّي معظم المنظمات لمؤشرات الأداء، أصبحت بمرور الوقت مهمة روتينية لا تتطلب تخصيص وقت كافي لها، ولا جهد مكثف، ولا حشد للآراء واستعداد كاف، وبالإضافة إلى ذلك لا توجد مراجعة جيّدة لها. ناهيك عن المجاملات في صياغة المؤشرات لتكون مستهدفات سهلة لا تشكل جهداً ولا تعني شيئاً.

من المهم أن نأخذ بالاعتبار أن مؤشرات الأداء هي الأرقام التي تعبّر عن حركة المنظمة وتوجهها وتترجم جهودها بشكل واضح، ومما يعبّر بشكل كبير عن قصور المنظمات عن الاهتمام الفعلي بمؤشرات الأداء رغم وجودها، هو أن إنجازات هذه المنظمة التي تملأ تقريرها السنوي لا ترتبط من قريبٍ أو بعيد بمؤشرات الأداء، وأن نكساتها أيضاً لم تُرصَد في هذه المؤشرات.

كثرة مصادر البيانات!

نعم؛ فعلى الرغم من أن الكثير يتمنى لوحة ضخمة ممتلئة بالبيانات، ليتمكن من خلالها من ابتكار مؤشرات دقيقة لقياس مؤشرات الأداء، إلاّ أنها في بعض المرات تكون فخاً ينتزع جهود المنظمات في محاولة قياس ما لا معنى له بالضرورة، فهناك فرقاً شاسعاً ما بين البيانات والرؤى (Data Vs Insights).

إن البيانات ليست سوى حروف وأرقام، لا أهمية لها في سياق قياس مؤشرات الأداء ما لم تجب على السؤال الصحيح، فلو كنت على سبيل المثال مسؤولاً عن الحركة المرورية في الرياض -أعانك الله- فما فائدة أن تعرف أنواع السيارات وموديلاتها إذا كان هدفك هو تقليل الازدحام؟

شحّ البيانات

كما أن الكثرة مشكلة، فالشحّ مشكلة أخرى، لكنها مرتبطة بالسبب الأول المتمثل في العجز عن تعبير عن أهداف المنظمة، فلو قُدِّر لك أن تدير منظمة جديدة بدأت أعمالها اليوم، وكان من أهدافك على سبيل المثال “تهيئة بنية تقنية تحتية متكاملة لخدمة القطاع المالي”، ولأنك لا تمتلك أي مصدر بيانات يقيس هذا الهدف لحداثة المنظمة، ولأنه ينبغي عليك وضع مؤشر أداء يقيس هذا الهدف، فقد تقع في فخ اتخاذ مؤشراتٍ خاطئة، كتبنّي مؤشر يقيس مستوى الصرف على مشاريع البنية التقنية التحتية كمؤشر للأداء، وفي الواقع أن صرف ميزانية ضخمة لا علاقة له بتهيئة البنية التقنية، له علاقة فقط بمستوى الصرف لا أقل ولا أكثر.

إن فهم السياق السليم لأهداف المنظمة، مع المرونة الكافية لتغيير/تحديث المؤشرات، واتخاذ القائد لقراره بتحديد الأولويات اللازمة في الوقت المناسب، جميعها مجتمعة تقي المنظمات من الوقوع في مثل هذا الفخ.

أسوار الصين العظيمة

الأصل في مؤشرات الأداء كافة في أي منظمة؛ أن يؤدي تقدّمها مجتمعةً إلى الوصول لأهداف هذه المنظمة، ولذلك لا يمكن تصوّر أن يتم بناء وتخطيط وتنفيذ كافة المؤشرات بمعزل تام بين مختلف القطاعات، ويتجلى تناغم القطاعات بشكل فاعل حين تجد ذات المؤشر يرتبط بأكثر من قطاع، الأمر الذي يسهم بشكل مباشر في بناء ثقافة عمل تشاركية لا مناص عنها، ويعزّز التنسيق على مختلف المستويات، ويجمع توجّهات فرق عمل المنظمة على ذات البوصلة.

وبمقدار تعاون المنظمة بشكل عام على تحقيق مستهدفاتها، بمقدار تضاعف تقدمها نحو أهدافها الاستراتيجية، وقدرتها على الإحاطة بالتحديات التي تواجه وصولها لمستهدفاتها وتجاوز هذه التحديات. والعكس بالعكس؛ تزداد الأهداف غموضاً كلما كانت تعدّ وتصمم وتقاس بشكل مستقل ومنعزل فيما بين القطاعات أو الإدارات، الأمر الذي يزيد من فرص التلاعب أحياناً، ويحرف اتجاه قوى المنظمة عن المسار الصحيح.

إن الأصل في أي منظمة، أن تصمم بنموذج تشغيلي يعمل بتكاملية بين مختلف أجزاء هذا النموذج، وإذا كانت هذه الأجزاء قادرة أن تعمل باستقلالية، فمن باب أولى أن تكون قادرة على الاستقلال التام عن باقي المنظمة، وقد شهدنا ذلك في بعض المنظمات الضخمة، لنأخذ على سبيل المثال شركات الخدمات الكبرى، التي أقرّ بعضها مؤخراً سلسلة من عمليات الفصل بين أجزائها وإنشاء شركات جديدة. ولذلك سأعود على مبدأ فهم السياق السليم، والقدرة على التعبير المنضبط للمؤشرات التي تعكس أهداف المنظمة، كركائز أساسية لتفادي الوقوع في فخ المؤشرات الخاطئة.

ختاماً، قبل أن أكتب هذه التدوينة المطوّلة، كنت أنتهزّ الفرصة في مختلف اللقاءات مع شخصيات مختلفة لها علاقة بمجالات القيادة أو الاستراتيجية، وأفتح فرص النقاش حول موضوع التدوينة كلما تحيّن لي ذلك، في محاولة مني لشحذ الأفكار ذات الارتباط بموضوع التدوينة، وألهمتني هذه النقاشات في كتابة بعض النقاط أعلاه، وأجمعت كافة هذه النقاشات على أمرٍ وحيد، هو أن العامل الأهم والأبرز في كافة العوامل السابقة، سيكون هو دون شك، اهتمام قائد المنظمة ومتابعته الشخصية والمباشرة.

باختصار؛ إذا أسلمنا بأن مؤشرات الأداء تقيس أداء المنظمة، فالشخص الأقدر على فهم المنظمة والتعبير عنها بالشكل المثالي وتوجيه الجهود صوب أهدافها، هو القائد، وهذا الدور لا يمكن أن يحيله إلى مكتب إدارة مشاريع أو فريق قياس الأداء، والنتيجة المتوقعة حيال تقصيره في هذا الدور، هو الخروج بذلك الشعور المتوقع، شعور وهم التقدّم!