“هذه رسالة كتبتها لزميلٍ عزيزٍ سابق، أحببتُ مشاركتها بعد تنقيحها”
توطئة
أكتبُ هذه المقدمة بعد انتهاء كتابة هذه الرسالة، والتي بدأت كتابتها ليل الخميس، على أن أُنهيها في حينها، فوجدت نفسي مستمتعاً بالكتابة ولم أرغب التوقف عنها، وتذكرت حينها ذلك الطلب الذي ورد الإمام ابن حزم الأندلسي من أحد أصدقائه حين سأله سؤالاً واحداً، فرد عليه برسالةٍ لا تزال تتداول حتى اليوم في كتابٍ عظيمٍ، هو الموسوعة الأهم في مجالها والأولى من نوعها في العالم «طوق الحمامة في الأُلفَة والأُلاّف».
لن أكون ابن حزم، ولن يرقَ بسيط هامشي لعظيم متنه، وقد لا يتجاوز قدر هذا الكلام إلا أن يموت في هذه الصفحة، ولكن الشاهد في الأمر هو أن كِلا الحالتين وافقا رغبةً في الكتابة، ونقصهما الإلهام أو السؤال أو المُحفِّز، فما أن كان السؤال حتى جاءت الإجابة.
وكان مختصر السؤال: شاركني رأيك فيّ كزميل عمل، وما هي نصائحك؟
نشرتها هنا ببعض التصرف.

«١»
سأبدأ مستحضراً قول الفارس المغوار أبي فراس الحمداني «ونحنُ أناسٌ لا توسّط عندنا .. لنا الصدرُ دونَ العالمين أو القبرُ»، وهو يروي حاله في الأسرِ داخل حصنٍ على أطراف الفُرات ويُعاتب ابن عمه سيف الدولة والي الشام حينها الذي تركه على حاله في الأسرِ بعد أن افتداه أبو فراس في أحد معاركه مع الروم، وتوّجَ عتابه بقصيدةٍ عصماء ظاهرها الغزل حتى أن الستّ الراحلة أم كلثوم قدمتها كواحدة من أعمالها الخالدة «أراكَ عصيّ الدمع» وفي باطنها العتاب الحارّ والحيرة الشديدة التي وقع فيها صاحبنا الحمداني تجاه عدم وجود توجّه واضح من قائده، هل سيفتديه؟ هل سيأتي إليه ويحرره؟ هل عليه أن يهرب بنفسه؟ هل يتفاهم بنفسه مع الروم؟
كان أبا فراس ينتظر الخطة «أ» فقط، ولا يقيم اعتباراً للخطة «ب» فضلاً عن «ج» و«د» وما بعدها، فإما أن تحدث النتيجة «أ» أو النقيض، إما «الصدر دون العالمين» وإما «القبر!»، أو كما قالت الفنانة لطيفة التونسية «يا أبيض يا أسود .. لكن مُش رمادي!».
إن البحث عن توجّه مستقر وثابت هي سمة بشرية خالصة، وكلٌ يطلبها ولا أعرف أحداً نالها حتى أنه تراودني في بعض الأحيان فكرة أن الاستقرار هي من علامات الموت، إلى الدرجة التي أتساءل فيها عن التهنئة الشعبية المتداولة محلياً بقول البعض «قرَّت عينك» هل هي دعاء للشخص بالهناء والرفاء أم دعاء عليه بالموت حين تسكن عينه في محجرها و«تقرّ» هامدة دون حراك؟
وبطبيعة الحال، فإن عدم الاستقرار في المنهج والمسير ووجود خطط بديلة دائماً قد لا يكون دلالة جيدة، بل ربما دلالة تخبّط وفوضوية، في حين أن عدم تقبل خطة بديلة قد يكون مؤشراً لعدم قدرة الشخص على التأقلم أو التكيّف مع تقلبات الظروف المختلفة وصعوبة تقبّله لها بغض النظر عن أسبابها.
في اعتقادي أن أكثر عنصر مؤثر على تقبّل أي شخص ناجح لأي تغيير أو تخبط أو تقلّب هو «الإصرار»، فمن يصرّ على شيءٍ ما يصعب عليه تقبّل غيره، وهنا مربط الفرس، حيث لا تفرق أدمغتنا أحياناً بين «الإصرار» على تحقيق نتيجةٍ ما، و«الإصرار» على تنفيذ عملٍ ما، وأظن من استطاع التمييز بينهما سيتقبَّل التغيير والتقلبات بشكل أكبر.
وقولي هنا في معرض «تقبّل التقلبات» لا يتنافى بالضرورة مع خصلة «العزيمة والإصرار»، وفي ظني بأن هذه الخصلة هي أهم خصال النجاح، ويحضرني هنا قول شاعر مجهول -أو أني لا أعرفه- «لا تحسب المجدَ تمراً أنتَ آكلُه .. لن تبلغَ المجدَ حتى تَلعقَ الصَّبِرَ»، أبعدنا الله وإيَّاكم عن مرارة الصَبِر.
بالمناسبة؛ أستمع من حينٍ لآخر إلى أحد قنوات/بودكاست “NPR” الشهيرة، وهي “How I built this؟” والتي تستضيف في كل حلقة ضيفاً صاحبَ تجربة إنشاء عمل من الصفر حتى حقق نجاحًا ملموسًا ومشهودًا، وفي نهاية كل حلقة يُسأل الضيفَ سؤالاً وهو “ما هو سر نجاحك؟” ودائماً ما تجمع الإجابة عاملين مشتركين هما: الحظ! .. وأنهم لم يستسلموا أبداً!
أضيف نقطة في الهامش هنا؛ عن «التقلبات» و«الإصرار». قد نعيش أحياناً تجارباً مهنية جيّدة، وقد نواجه تجارباً مُتعبة ومتقلبة ومتخبطة لسببٍ أو لآخر، وقد نرى أنه الأفضل الهروب من هذه التجربة سيكون مجدياً، ونتناسى أن مجرد تجاوز هذه التجربة بسلام قد يكون نجاحاً بحد ذاته، واختباراً للنفس وتهذيباً لها يمكّنها من التعامل مع أي ظروف قد تطرأ، لأي سبب كان. إذا كان «الإصرار» حليفاً لهذه «التقلبات».
«٢»
«تَراه إذا ما جئته متهللاً .. كأنك تُعطِيه الذي أنتَ سائلُه»
هكذا وصف الشاعر الجاهلي زُهير بن أبي سُلمى أحد أجواد العرب وهاماتهم هَرِم بن سنان في الجاهلية، وهِرم هذا كان قد تحمّل بنفسه مع أحد سادات العرب حينها ديات قتلى داحس والغبراء ضمن معاهدة سلام شاملة سعى لتحقيقها ليطوي قصة حرب الأربعين عاماً بين عبس وذبيان، كان بشوشاً ساميَ الخلقِ داعياً للسلام كريماً ساد في قومه حتى كان كلما تلقى التحيَّة من شخص ردها بأكثر من ذلك وأرفق مع ردِّه عطاءاً مما يليه أياً كان، وكان يهشّ ويبشّ بذلك، وكان متواضعاً لا يفرّق في عطائه بين سيدٍ مشهور وصبيٍ طائش وعبدٍ مملوك أو عابر سبيل، حتى اُضطِرَ زهير أن يتحاشى سلامه وتحيته لئلا يُثقل عليه، وبقيت تحية زهير خالدة حتى اليوم بقوله «عِمُوا صباحاً غير هَرِم، وخيركُم استثنيت».
التعاطف مع الناس والاهتمام بهم والسخاء لأجلهم والتواضعُ لهم خصلة حميدة وعظيمة، يسمو بها الإنسان ويسود، وتشكل سمات التعاطف والوفاق مع الناس واحدة من السمات الشخصية الرئيسية التي يبذل فيها المحللين جهوداً لاستنباطها واستقرائها لتقييم الشخصية بشكلٍ عادل، وهنا أود أن أشير عن قصة تحليل السمات الشخصية حين بدأت قبل قرابة المئة عام لتقييم شخصيات الجنود المقاتلين في الحرب العالمية الأولى، حتى تطورت وتعقدت وتقدمت لتقيس العنصر الخمسة الرئيسية للسمات الشخصية وأصبح ساداتنا في الموارد البشرية يعدّونها مفتاحاً رئيسياً لتقييم شخصيات المتقدمين للوظائف المختلفة ويُعاملون من خلالها الكائن البشري كمادة قابلة للقياس.
من مفارقات هذا التحليل؛ أنهم يعدّون التعاطف المُطلق نقطة ضعف لا تليق بالقادة، وأنه ينبغي أن يكون مقيداً في نطاق ضيق تحت السيطرة، وألاَّ يُتاح إلا تحت الطلب، أي بمعنى موجز -قد يكون مُخلاً- ألا يُبادر القائد بتقديم العون، ويكتفي أن يكون مستعداً لتقديمه عند طلبه. كذلك يجدون أن التسامح مع الآخرين ينبغي أن يكون مقيداً مع عدم الممانعة من إبراز بعض التسامح بشكل محدود.
ويرون -نفس الكائنات البشرية الواردة أعلاه- أن التنافسية الشديدة صفة محمودة وأن الحاجة إلى التقدير صفة ينبغي أن تظهر بشكل أو بآخر لدى القائد الجيّد، حيث أن التواضع لا يليق به، والإيثار ليس سمةً ينبغي أن يتمسّك بها القائد على الدوام.
شخصياً؛ لدي قناعتين متضادتين في هذا السياق، الأولى هي أن ما أراه على أرض الواقع أن كثيراً ممن يرتقون سلم الحياة الوظيفية بسرعة عالية ويحققون نجاحاً مهنياً كبيراً يفتقدون إلى قدرٍ كبير من عناصر السخاء والكرم والإيثار والتعاطف وحتماً يفتقدون التواضع، والثانية هي أن النجاح والازدهار الوظيفي والمهني والقيادي يمكن أن يحدث حتى مع السخاء الأخلاقي والعاطفي والإيثار والتواضع.
إن من تنطبق عليهم خصائص القناعة الثانية، ولا أقول هنا أنها مزيّة أو نقيصة في المشوار المهني، تواجههم تحديات كبيرة في سبيل الارتقاء والصعود، وتعرضهم -أحياناً- للاستغلال حتى لو تميزوا بسرعة البديهة في كشف ذلك والحدس الجيد في قراءة أفكار الناس، لكن يبقى جمع هذه الخصائص نقيضاً للسمات المطلوبة في شخصية القائد وفقاً لأنماط القيادة المُعترف بها عالمياً.
وأتذكر في سياق النقائض، قول المتنبي «متفرق الطعمين مجتمع القوى .. فكأنه السرَّاءُ والضرَّاءُ». وصفٌ غريبٌ متناقض يمدحُ فيه المتنبي أحد الولاة لعله ينالُ منه حظوة كعادته في مديحه، والغريب هنا كيف تجتمع هذه النقائض في مديح شخص؟ كيف أن يكون حلواً ومراً؟ كيف يشبه السرَّاء والضرَّاء؟ كيف لهذه النقائض أن تجتمع لتكون قوة عظيمة؟
باختصار؛ يرى المتنبي أن هذا الرجل صار إلى ما صار إليه من اجتماع النقائض، كان حلواً لمن يستحق، مراً لمن يستحق، مسرةً للصديق مضرَّةً للعدو، وكل هذه النقائض تشكل قوة عظيمة لمن تجتمع فيه.
وفي الحديث عن النقائض؛ وكما يرى سادة تحليل السمات الشخصية أن إرادة القائد تأتي نقيضاً للتواضع، فإني أستحضر أيضاً استنباطاً شاذًا عمّا درجت عليه الدراسات القديمة، ورد في واحد من أجمل الكتب في الألفية الحديثة “من جيّد إلى عظيم – Good to great” لمؤلفه جيم كولينز، والذي قام بجمع بيانات آلاف الشركات في السوق الأمريكي على مدى 30 عاماً لتحديد الشركات التي استطاعت أن تحقق نمواً مضطرداً لمدة 15 عاماً على التوالي، وخرج بقائمة من إحدى عشر شركة، ليصل إلى هدفه المنشود، وهو تحليل شخصيات قادة هذه الشركات العظيمة.
هنا خرج المؤلف بمجموعة من الاستنباطات المفاجئة له، وخرج بنمط جديد من القادة لم يكن معروفاً في السابق من أنماط القادة الأربعة المعروفة، والذي أسماه بـ«القادة من المستوى الخامس»، وحين تعمّق في تحليل شخصيات هؤلاء القادة، اكتشف تناقضاً غريباً في هذه الشخصية وهي أنها تتكون من خليط متناقضين بحسب معايير اختبارات تقييم الشخصية وهما: الإرادة الاحترافية والتواضع الشخصي.
الشاهد في كل هذا الأمر؛ أؤمن بأن سمات التعاطف والسخاء والاهتمام خيرٌ لك ولغيرك، ولكنها حتماً ستجعل طريقك أصعب!
«٣»
كانت تماضر السلمية الشهيرة بـ«الخنساء»، سيدةً من سادات مُضر خلّدها التاريخ بمواقفها وقصائدها وشديد بأسها وقوة شخصيتها، وكانت تُلقي شعرها بحضرة رسول الله ﷺ فيستحثها أن تزيد بقوله عليه رضوان الله: «هيه يا خُناس»، ولم يشهد التاريخ شاعرةً بلغت قدرها وشعرها ولم تشهد المراثي ما قالته في شقيقها صخر.
«وإنَّ صخراً لحامينا وسيدنا .. وإن صخراً إذا نَشتُو لنحَّارُ»، تصف الخنساء أخاها بأنه الحامي والسيد وينحر لهم الإبل بكثرة في الشتاء ليطعمهم، ويأتي كلامها هنا بصيغة الحاضر كأن صخراً يعيشُ معهم، رغم إن هذه القصيدة مرثيةً له بعد أن تلقى طعنة في إحدى غزواته في الجاهلية فسقط على فراشه حتى مات، وهذه الصياغة تتكرر كثيراً في شعر الخنساء فتارةً تشير إلى صخر وأخرى إلى أخيها الآخر معاوية وأحياناً زوجها وحيناً أبنائها.
رغم شهرة الخنساء بقوة شخصيتها وشكيمتها، إلاّ أن نهجها الشعري يكشف لنا جانباً بيناً عن مصدر هذه القوة، وهي أن هذه القوة ليست أصيلة منها، بل كانت تستمد قوتها ممن حولها، وكان تبحث من حين لآخر إلى قويٍ تستند إليه وتستمد منه القوة التي تواجهُ بها تحديات الزمان، ومن شواهد ذلك ذبول الخنساء في أول زواج لها حين تزوجت برجلٍ حمَّلها ما لا طاقة لها به، فكانت حياتها ضنكاً ولم يرصد لها التاريخ أي مشهد أو موقف أو حتى قصيدة في وقتها عدا شكواها ذات يوم لأخيها صخر عن زوجها، حتى انفصلت عنه وعادت شخصيتها إلى المشهد العام واستمرت كذلك حتى بعد زواجها الثاني التي عاشت فيه منعَّمَةً مكرَّمَةً في ظل زوجها الجديد.
مصادر قوة الإنسان تتعدد؛ قد يستمدها ممن هو أقوى منه، وقد يستمدها من خلال منح القوة لمن هو أضعف منه، ومربط الفرس بين هذا وذاك هو «قدرة التأثير على الآخرين»، هذه القدرة هي المؤشر الرئيسي الذي يدل على أصالة قوة الشخصية، وبحسب الدراسات والبحوث، فإن تمكين الآخرين ومنحهم القوة هي مصدر القوة الأصيل للمرء، وهذا ما نفتقده في مثالنا السابق عندما استشهدتُ بالخنساء.
وبطبيعة الحال لا يمكننا أن نقول بأي شكل من الأشكال أن المرء استمدَّ قوته بهذه الطريقة أو تلك، الأكيد أنه خليط بين الاثنين، وتتفاوت أوزان هذا الخليط من شخصٍ لآخر، وأن طغيان استمداد القوة من الآخرين لا ينفي قطعاً مدى حرص المرء على تمكين الآخرين وعمله على ذلك.
وهنا توجد معضلة وتحدي كبيرين، في كثير من الحالات تكون القوة التي يستمدها الشخص من الأقوى أكثر بكثير من القوة التي يمنحها لغيره ليس بسبب عجزه عن منح غيره، بل لسخاء من حوله من الأقوياء الذين يمدّونه بالقوة اللازمة ويكونون عوناً وسنداً له في السرَّاء والضرَّاء، وقد يجد المرء لنفسه مساحة واسعة من الراحة والاستئناس في هذه المساحة، بل ويبحثُ عنها في كثيرٍ من الحالات، ولا أظن أن في مثل هذا حرج أو نقص، بل طبيعة بشرية خالصة.
وأستحضر هنا قصة الكاتب الراحل «إحسان عبدالقدوس»، وروايته الشهيرة «لن أعيش في جلباب أبي» التي ظهرت على معظم الشاشات العربية حيث تحدث عن شخصية عاشت في ظروف صعبة وتمكنت من خلق نجاح كبير وتكوين أعمال وثروات، وأنجبت عدداً من الأبناء، ومدَّت هذه الشخصية لأبنائها ظلالاً وارفةً ينعموا فيها وبذلت جهداً عظيماً لتنشئتهم وتمكينهم من النجاح لحمل الراية من بعده في إدارة هذه الأعمال، إلاّ أن ذلك لم يُفلح بسبب أن الأبناء -وتحديداً الابن الأكبر- كان شعاره «لن أعيش في جلباب أبي» وفضَّل أن يبدأ حياته مستقلاً بنفسه فخاض سلسلة متتالية من الفشل أقضَّت حياةَ أبيه وجعلت من ثروته ونجاحاته وبالاً عليه، قبل أن يعود الابن مرةً أخرى لأحضان أبيه ويلتحق به في إدارة أعماله ويتخلص من ماضيه وتستقر به الأمور تحت قوة أبيه.
خلاصة الأمر هنا؛ لا يوجد صواب أو خطأ، والعيش في جلباب الأقوياء قد يكون نعمة وقد يكون نقمة وقد يجمعهما، وليس الأمر حساباً خوارزمياً مضمونه إذا كان كذا بمقدار كذا فيصبح هكذا، وشهدنا حالاتً عديدة من نجاحات لشخصيات بارزة وسامقة وقوية عاشت تحت ظلال أقوياء آخرين، واكتسبت في الوقتِ ذاته قوةً أصيلةً في شخصيتها.
«٤»
«ولمْ أرَ في عيوبِ الناسِ شيئاً .. كنقص القادرينَ على التمامِ»، هذا البيت من روائع المُتنبي وبديعِ صُنعه ومُنتهى حكمته، فمن تمام المرء قدرته على إتمام ما يُناطُ به بأكمل وجه وأتمّ شكل ممكن، فإن كنت من فئة محبي إتقان عملك بشكل كبير ولا يُرضيك تقديم شيئاً يشوبه نقص، وإن اضطررت لذلك فكافة ملامحك وتصرفاتك تشير إلى ذلك بشكل واضح وفاضح، فكان الله بعونك.
وهذا يقودنا لتحدي آخر، معضلة بشرية متكررة منذ أمد التاريخ، كثيراً ما تؤدي بنا هذه الممارسات إلى عقدة الكمال التي من أعراضها الرضوخ لضغطٍ عالٍ على النفس لتحقيق أهداف قد تكون مستحيلة أو غير قابلة للتحقيق، وفي حالِ الإنجاز قد يشعر صاحب هذا الإنجاز بأنه أنجب ولداً له يغارُ عليه ويخشى أن يتحكم أحداً في ضناه أو يتصرف فيه بشكل لا يعجبه.
وأشير هنا إلى نقطة بعيدة عن هذا الجانب قبل أن أعود إليه لاحقاً؛ وهي ما هي التزاماتنا كبشر تجاه أي التزام؟
في كافة قوانين العالم تندرج التزامات البشر المدنية تجاه بعضهم أو تجاه أي طرف آخر تحت أحد أمرين، إما تحقيق نتيجة (مثال: طلب تفصيل ثوب)، أو بذل عناية (مثال: طلب علاج مريض). فبطبيعة الحال لن أدفع ريالاً واحداً في حال أني لم أستلم الثوب من الخياط أو استلمت ثوباً خاطئاً مهما بذل الخياط من عناية وجهد في تفصيل هذا الثوب، كذلك لا أستطيع أن أشترط على الطبيب بأني لن أدفع له شيئاً إن لم أُشفَ من مرضي، فدوره هنا مقتصر على بذل العناية الكافية واللازمة دون تحقيق النتيجة.
وعودةً إلى موضوعنا؛ في رأيي الشخصي -القابل للخطأ أكثر من الصواب-، أن العقل البشري لا يُميز الالتزامات بالشكل الجيد ويضعها في سياقها الصحيح ما بين دوره في تحقيق النتيجة أو بذل العناية، الأمر الذي يُفسِّر في كثير من الحالات سبب سقوطنا بالخطأ في هُوَّة عقدة الكمال وتعرضنا لضغوط لا قدرة لنا عليها ولا على حلها وبالتالي الدخول في دوامة أخرى من المشاكل الناشئة عن هذا الأمر وتشكّل حالة -أبعدنا الله وإياكم عنها- أشبه بتساقط أحجار الدومينو.
«٥»
كان عبدالله ابن عباس رضي الله عنه فصيحاً عالماً بليغاً حجةً في عصره، حتى قال عنه شاعر رسول الله ﷺ حسّان بن ثابت «إذا قال لم يترك مقالاً لقائلٍ .. بمنتظماتٍ لا ترى بينها فصلاً»، فكان إذا تحدث سكتَ الجميع وجاءَ بالكلام منتظماً والأفكارِ منتظمة مترابطة متسلسلة بشكل بليغ حتى أقنع الجميع لترابط أفكاره وفصاحة لسانه وحجَّة منطقه.
وتفتخر العرب بفصاحة اللسان والقدرة على السرد والإقناع ويبذلون جهداً عظيماً لكسب ذلك وتعلمه ويشتغلون بكدٍّ لكتابة الكلامِ مرصوفاً ومُقنعاً وفصيحاً، ويتجاوز بعضهم ذلك إلى الافتخار بأن هذا كله لا يتطلب منه تعبٌ أو جهد كقول المُتنبي شاعر الأولين والآخرين «أنامُ مِلءَ عيوني عن شواردها .. ويسهرُ الخلقُ جرَّاها ويختصمُ»، كان يدّعي أن الشعر لا يرهقه ولا يتعبه وأن بليغ الكلام يُساقُ سوقاً دون تعب، وأن غيره من شعراء عصره -مثل أبي فراس الوارد ذكره أعلاه- يعانون ويسهرون في سبيل كتابة بليغ الكلام وفصيحه ويرهقهم الأرقُ والسهادُ لأجلِ هذا.
وللبيان وحجّيّة الإقناع قيمة كبيرة في الحياة المهنية، ورأيت أقواماً لا يملكون -والله!- شيئاً غير الكلام المهندم والقدرة على الإقناع وقد تبوأوا المناصب والمراتب، وأُجزمُ أنك تعرف الكثير ممن ينطبق عليهم هذا الأمر.
وتتجلى هنا أهمية تعزيز جانب مهارات الإقناع والبيان لدى الإنسان في شتى شؤون حياته، فحتى الرُسل عليهم أفضل الصلاة والتسليم، كانت لهم هذه الحاجة حيث سأل موسى عليه الصلاة والسلام ربه عزّ وجل ذلك في قوله العزيز الحكيم ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ فكان هارون فصيحاً بليغاً قوي الحُجَّة بعكس أخيه نبي الله ورسوله موسى عليه الصلاة والتسليم.
«٦»
أظن أنَّي أكثرت من الاستشهاد بالمتنبي، ولكنَّي لستُ الأول في ذلك ولن أكون الأخير، فهو رغم حياته القائمة على استحثاث المال من أربابه، إلاَّ أنه ليس مجرد شاعر، هو مفكر وفيلسوف ومحلل عبقري، وشواهد ذلك من شعره أكثر من أن أُحصيها، بل وفي كل مرة يفاجئني بقراءة عجيبة لبعض التفاصيل في بيتٍ شعري رغم أني قرأت هذا البيت مئة مرة دون ملاحظة هذا الوجه من القراءة، وهذه المرة أستشهد بقوله «إن كُنتَ ذا رأيٍ فكُن ذا عزيمةٍ .. فإنَّ فسادَ الرأيَ أن تترددا».
كُلنا نريد، وكلُ هذه الأرض مليئة بالآراء الصائبة والخاطئة، والرأي الصائب بحد ذاته لا قيمة له دون تحقيقه، بل أنه رأياً فاسداً في وجهة نظر أبي الطيب، وتحقيق هذا الرأي يتطلب العزيمة، العزيمة والعقد على تحقيق هذا الرأي، وعدو العزيمة الأول هو التردد.
التردد قد يكون مردّه الخوف أو الحياء أو عدم الثقة، قد تكون بسبب التثبيط الاجتماعي، أو حساسية الخوف من الرفض، أو الخوف من تحمل مسؤولية التبعات، أو القلق، كلها أسباب تتفاوت من حالةٍ لأخرى، ولكن النتيجة واحدة مهما تعددت الأسباب.
«٧»
أخيراً؛ أود أن أشير إلى جانب أورده تشارلز داروين صاحب نظرية النشوء والارتقاء الشهيرة، وهو جانب الذكاء العاطفي، حيث تحدث عنه بإيجاز قبل أكثر من مئة عام، قبل أن يقوم المختصين بصياغة هذا المفهوم وتفصيله وتحليله ودراسة تطبيقاته المختلفة في الأعوام الثلاثين الأخيرة، حيث ازداد الاهتمام بهذا الجانب وتأثيره المهني والاجتماعي.
باختصار شديد؛ نتكلم عن 5 مكونات رئيسية لهذا المفهوم في تطبيقه في المجال المهني، تبدأ بالوعي الذاتي، قدرتك على فهم نفسك ومشاعرك وما يؤثر عليها سلباً وإيجاباً، ثم قدرتك على ضبط ذاتك ومشاعرك والتحكم بها، ثم قدرتك على خلق الحافز -غير المادي- لتأدية أعمالك، فقدرتك على فهم الآخرين ومشاعرهم والتعامل معها بالشكل المثالي، وصولاً إلى المهارات الاجتماعية وقدرتك على بناء شبكة علاقات فعالة وإيجاد قاعدة مشتركة لتعزيز العلاقات الاجتماعية مع الآخرين.
قد تكون حظياً بامتلاك قدراً عالياً من الذكاء العاطفي، ولكن الإنسان أياً يكن يمر بمراحل عمرية ومهنية مختلفة تكشف له في كل مرة جانباً جديداً إن كان متيقظاً لها بالشكل الكافي، وهنا تظهر الحاجة الماسة إلى وجود الوعي المستمر بالذات وقراءة النفس أو الذات وانفعالاتها أكثر من قراءة الآخرين.
«٨»
«وما الدهر إلا من رواة قصائدي .. إذا قلتُ شعراً أصبحَ الدهرُ منشداً»
قال المتنبي بيته هذا وملؤه غرورٌ وثقة بالنفس، فكلما قال شيئاً حفظه الدهر ورواه وأنشده، كما أفعل أنا الآن، فكان شعرهُ خالداً أبدَ الدهر وتحققت نبوءته في هذا، وهكذا يحدث مع الأشياء العظيمة.
المكارم وحسنُ التصرف وتدبير الأمور من الخصال الكريمة والأفعال العظيمة التي يبقى أثرها والذكرى الطيبة حين تتركها ستكوّن لك رأس مالٍ تعتزُّ به، ونِعمَ رأس المال هو.
أخيراً؛ كل ما ورد أعلاه ، قد يكون من الشخص الخطأ، ويحتمل مضمونه الخطأ، وهو ليس أكثر من كلامٍ جاء من شخص كتب ما كتب اجتهاداً من واقع شيء لامسه وعايشه في نطاق ضيّق ومحدود وزاوية نظر ضيقة.
قد يروقك، وقد لا يروقك ورغم ذلك تكمله إلى نهايته، وأنت في هذه الحال ذو حلمٍ وصبرٍ وقد أزعمُ أنه يخفي وراءه غضب الحليم إذا تجاوز الأمرُ حِلمَه كما في قول الفرزدق «أحلامنا تزنُ الجبالَ رزانةً .. وتَخالنا جناً إذا ما نجهلُ».
والسلام.